قُلْ يا أهلَ الكتابِ تعالَوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم
آل عمران ٦٤
الغاية
غايةُ هذا الكتاب عمليّةٌ لا نظرية: أن يجلس المسيحيُّ والمسلمُ معًا، فيقرآن النصَّ نفسه، ويقولان الصلاةَ نفسها بصوتٍ واحد، ولا يكذب أحدُهما.
هذا هو المقياس، وقد عُرض عليه كلُّ سطرٍ في هذا الكتاب. والسؤال في كلّ مرّة واحد: أيستطيع الاثنان أن ينطقا بهذا معًا، وكلٌّ منهما صادقٌ فيما يعتقد؟
وطريقُنا إلى ذلك واحد: رفعُ الكلمات التي لم تكن في الأصل.
بين الملّتين اليومَ مسافةٌ يظنّها أهلُها مسافةَ عقيدة. وأكثرُها ليس كذلك. أكثرُها حوادثُ ترجمة، ومفاهيمُ متأخّرة أقرّتها مجامعُ الكنيسة في القرن الرابع وما بعده ولم تكن في النصوص الأولى. كلمةٌ يونانية وُضعت مكان كلمةٍ آرامية فتغيّر المعنى، وآيةٌ أُدرجت في المخطوط بعد قرون فصارت أصلًا يُستدلّ به، وحرفُ جرٍّ اختير على وجهٍ دون وجه فقامت عليه عقيدة.
هذه الأشياء ليست إيمانَ عيسى. هي ما جرى للورق بعده.
فإذا رُفعت، ظهر أنّ الذي بقي أقربُ ممّا كان يُظنّ بكثير. وهذا ما وجدناه مرّةً بعد مرّة، حتّى صار هو نتيجةَ العمل لا مقدّمتَه: الكلمةُ التي يقولها هذا هي الكلمةُ التي يقولها ذاك، وبينهما ترجمةٌ حالت دون أن يسمع أحدُهما الآخر.
ولسنا ندعو مسيحيًّا إلى أن يصير مسلمًا، ولا مسلمًا إلى أن يصير مسيحيًّا. ندعو الاثنين إلى أن ينظرا ما الذي قيل أوّلَ مرّة.
ثلاث مراتب، لا مرتبةٌ واحدة
ولو أنّنا وضعنا النصوصَ كلَّها في مستوًى واحد لكان ذلك غِشًّا. فليس كلُّ ما في هذا الكتاب سواءً في هذا الباب. ولذلك قُسِّم على ثلاث مراتب، مصرَّحٍ بها، مكتوبٍ على كلٍّ منها ما هي.
المرتبة الأولى: ما يُقال معًا. نصوصٌ يستطيع الاثنان أن يُصلّيا بها في مجلسٍ واحد بصوتٍ واحد، وليس فيها حرفٌ يُنكره أحدُهما. وهي أكثرُ الكتاب. وهي المقصودةُ بالغاية التي في أوّل هذه المقدّمة.
المرتبة الثانية: ما يُقرأ معًا. نصوصٌ تُقرأ وتُتأمَّل، ولا يُطلب من القارئ فيها إقرارٌ بشيء. فيها ما يجده المسيحيُّ مألوفًا محبوبًا وإن اختلفت الألفاظ، ولا يُطالَب بأن يقول: هذا ما أعتقد.
المرتبة الثالثة: مواضعُ الفرق. وهي التي يبقى فيها الخلافُ بعد رفع كلّ ما رفعناه. الصلب، والبنوّة، والتثليث. لم نُخبّئها، ولم نُدرجها في المشترك. كتبناها كما نعتقدها، وقلنا صراحةً: هنا يفترق الطريق.
والمرتبةُ الثالثة هي التي تجعل الأولى مصدَّقة. فلو أخفينا موضعَ الخلاف لانكشف الإخفاء، ولسقط الكتابُ كلُّه معه. وحين نُريك أين نفترق، فلك أن تُصدّقنا حين نقول أين نلتقي.
ومن أراد الصلاةَ المشتركة وحدها فليقرأ المرتبة الأولى ويقف. هي كتابٌ تامٌّ بذاته.
ما الذي جرى للنصّ
النصوص التي في هذا الكتاب صلواتٌ ومزاميرُ وفصولٌ من الإنجيل، يقرؤها الناس بالعربية منذ قرون. وأكثرها لم يصل إلى العربية من لسانه الأوّل، بل قطع طريقًا طويلًا: قيل بالآرامية، ثمّ كُتب أو نُقل إلى اليونانية، ثمّ إلى اللاتينية، ثمّ إلى العربية في القرن التاسع عشر أو قبله بقليل. أربعة ألسنة، وكلُّ عبورٍ بينها خسارة.
ومن قرأ هذه النصوص بالعربية أحسّ بشيءٍ لا يستقيم. لا في المعنى وحده، بل في اللسان نفسه. «أبانا الذي في السماوات» جملةٌ لا تُقال هكذا بالعربية. «ليتقدّس اسمك» صيغةٌ لا تجري على اللسان. «المجد للآب» تركيبٌ لا يعرفه من نشأ على العربية. الأمر ليس أنّ الترجمة رديئة، بل أنّ الترجمة ترجمة، وأنّ العربية فيها ضيفٌ لا صاحب بيت.
وهذا الكتاب محاولةُ ردٍّ للنصوص إلى لسانها.
الجسور التي وجدناها تحت الترجمة
بدأ العمل على ظنٍّ بسيط: أنّ العربية القرآنية أفصحُ وأصلحُ لهذه المعاني من عربية المترجمين، فنستبدل بهذه تلك. ثمّ تبيّن أنّ المسألة أعمق من ذلك بكثير.
الآرامية التي تكلّم بها عيسى، والعبرية التي نزل بها الزبور على داود، والعربية، ثلاثتُها من أصلٍ لغويّ واحد. جذورُها هي هي، وقوانينُ التبدّل بينها معروفة مضبوطة. فحين نزلنا تحت اليونانية إلى الطبقة السامية، لم نجد لغةً غريبة نترجم عنها. وجدنا جذورًا عربية.
وكلُّ واحدةٍ ممّا يلي جسرٌ لا سلاح. اقرأها على هذا الوجه.
التسبيح. الكلمة التي تُختم بها صلاة السيد عيسى، والتي تُرجمت إلى اليونانية doxa وإلى اللاتينية gloria وإلى العربية «المجد»، هي في السريانية ܬܫܒܘܚܬܐ، من جذر س ب ح. أي أنّها التسبيح. أربعةَ عشرَ قرنًا والعربيُّ المسيحيُّ يقول «المجد» وجارُه المسلم يقول «سبحان الله»، وكلاهما ينطق الكلمة نفسها ولا يدري.
آيةُ الكرسيّ في المزامير. المزمور الحادي والعشرون بعد المئة يقول عن حافظ إسرائيل إنّه لا ينام ولا يَسِن، بجذرَي ن و م وو س ن. وهما بعينهما الكلمتان في آية الكرسيّ: لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم. الجذران نفسهما، والاقترانُ نفسه، والنفيُ نفسه. مزمورٌ عبريّ وأشهرُ آيةٍ في القرآن جملةٌ واحدة بلهجتين.
التهليل. هَلِّلويا، وهي كلمةُ التسبيح الكبرى في المزامير كلِّها، من جذر ه ل ل، وهو بالعربية جذرُ التهليل، أي قولِ «لا إله إلّا الله». فالمزاميرُ والذِّكرُ مبنيّان على الكلمتين نفسيهما: التسبيح والتهليل.
بَشَر. الكلمة التي تُرجمت «صار جسدًا» في مقدّمة يوحنا هي ܒܣܪܐ besra، وهي بَشَر. وهي بعينها الكلمة التي في سورة مريم: فتمثّل لها بشرًا سويًّا.
حَوْب. الكلمة التي تُرجمت «الديون» في «اغفر لنا ذنوبنا» هي ܚܘܒܐ ḥawbā، وهي بالعربية حَوْب، وهي قرآنية: إنّه كان حوبًا كبيرًا. ومعناها الدَّين والذنب معًا. واليونانية opheilēma لا تعني إلّا الدَّين، ومن هذا التضييق وحده بُنيت عقيدةُ الفداء: إن كان الذنب دَينًا فلا بدّ لأحدٍ أن يوفّيه.
أَجَنَّ. الفعل الذي تُرجم «حلّ بيننا» هو ܐܓܢ agen، من جذر ج ن ن، الذي منه الجنّة والجنين والمِجَنّ، والذي في القرآن: فلمّا جنَّ عليه الليل. ومعناه أن يُظِلّ ويستُر. وليس هذا فحسب: الترجمة السريانية تستعمل الفعلَ نفسه في بشارة مريم، حين ظلّلتها قدرةُ العليّ. والباحثون في السريانية يقولون صراحةً إنّ هذا ليس ترجمةً حرفيةً لليونانية هناك، بل اختيارٌ مقصود ليُربَط الموضعان. أي أنّ التقليد الأقرب إلى لسان عيسى قرأ الحادثتين حادثةً واحدة بفعلٍ واحد: سُكنى الحضرة الإلهية وظِلُّها، لا امتزاج جوهرٍ بجوهر.
أَحَد. وأمّا «الابن الوحيد»، وهي العبارة التي بُني عليها كلُّ ما بُني، فهي في السريانية ܝܚܝܕܝܐ yiḥidaya، من جذر و ح د، ومعناها الفريد الذي لا نظير له. لا ولادة فيها ولا توليد. واليونانية monogenēs مركّبةٌ من «واحد» و«صنف»، أي فريدُ نوعه، لا من «واحد» و«وَلَد». واللاتينية unigenitus هي التي أدخلت التوليد، فصار في نيقية «مولودٌ غيرُ مخلوق». فالكلمةُ التي حُمِّلت عقيدةَ البُنوّة الأزلية هي أختُ كلمة «أحد»، أوّلِ ما في سورة الإخلاص.
لماذا ليست هذه أسلمةً للنصّ
سيقول قائل: أنتم تكتبون «الله» حيث كان الكتاب يقول «الربّ» و«الإله»، فتُدخلون الإسلام على نصٍّ مسيحيّ.
والجواب أنّ هذا خطأٌ في التاريخ، لا خلافٌ في الرأي.
المسيحيّون العربُ استعملوا اسم «الله» لربّهم سنة ٥١٢ ميلادية، أي قبل الإسلام. والنقوش الصفائية والنبطية تحمل الاسم في الجزيرة قبل ذلك. وفي نقشٍ صفائيّ اكتُشف سنة ٢٠٢٤ ويعود إلى نحو سنة صفر، يظهر الله خالقًا مقرونًا بالنور.
فـ«الله» ليست كلمةً إسلامية أُقحِمت على نصٍّ مسيحيّ. هي الكلمة العربية للإله، قالها العربُ مسيحيّين ووثنيّين وحنفاء قبل أن يكون إسلامٌ يُستورَد منه شيء. وإلى اليوم يقول القِسّ في القدّاس العربيّ «الله»، ويقول الشيخ في الخطبة «الله»، ولا يشعر أحدُهما أنّه استعار من الآخر. ونحن حين نكتب ربَّنا ربَّ السماوات والأرض لا نُدخل غريبًا، بل نكتب العربية.
وهذا نفسُه نموذجٌ لكلّ ما في هذا الكتاب: الاسمُ كان مشتركًا، والظنُّ بأنّه مفترقٌ هو الطارئ.
ما الذي صنعته اليونانية
اللوغوس في العالم الذي دخله إنجيل يوحنا لم يكن كلمةً محايدة. فيلون السكندريّ، وهو يهوديّ هلّينيّ كتب قبل المسيحية، كان عنده «لوغوس» موصوفٌ بأنّه بِكرُ الله، وأداةُ الخلق، وكاهنُ السماء الأعظم. وهذه الأوصاف بعينها هي التي نُقلت بعدُ إلى المسيح.
فالترجمة لم تُضيّع فارقًا لطيفًا في المعنى. استبدلت بكلمةٍ شخصيّةً جاهزة. والكلمة السامية ܡܠܬܐ meltha من جذر م ل ل، الذي منه أَمَلَّ أي أملى ليُكتب، ومِلّة أي الطريقةُ المُعطاة. فهي تشير إلى قولٍ يُقال. واليونانية تشير إلى عقلٍ يُدبّر الكون. وبين الاثنين مسافةُ عقيدةٍ كاملة.
وهذا يتكرّر. عبارةُ بولس πίστις Χριστοῦ تحتمل وجهين في النحو اليونانيّ: «أمانةُ المسيح» و«الإيمانُ بالمسيح». وأكثرُ الباحثين اليوم على الأوّل. والدليل على أنّ الاختيار لم يكن نحويًّا أنّ المترجمين يُخرِجون التركيب نفسه بمعنى «أمانةِ» حين يكون الكلام عن إبراهيم وموسى، وبمعنى «الإيمان بـ» حين يكون عن يسوع. الحالةُ الإعرابية واحدة، والترجمة تختلف بحسب صاحبها.
وفرقُ ما بينهما أنّ الأولى تضع عيسى في صفّ الأوفياء من أهل الميثاق، وأمانتُه هي التي تحمل العهد كما حملته أمانةُ إبراهيم. والثانية تجعله موضوعَ الإيمان بدل أن يكون من أهله. الأولى نبيّ. والثانية إله.
وحتّى «الناموس» ليست عربية. هي في السريانية نفسها ܢܡܘܣܐ، مقترضةٌ من اليونانية nomos. أي أنّ الكلمة اليونانية أزاحت الكلمة السامية قبل أن تصل العربيةَ أصلًا. واسمُ الكتاب التوراة، لا الناموس.
الآية التي لم تكن في الكتاب
وأصرحُ ما في الباب أنّ الموضع الوحيد في الكتاب المقدّس كلِّه الذي ينصّ على التثليث نصًّا صريحًا هو رسالة يوحنا الأولى ٥: ٧-٨. وهذا الموضع إقحامٌ لاتينيٌّ متأخّر، ليس في أيّ مخطوطةٍ يونانيةٍ قديمة، دخل النصَّ المطبوعَ على يد إيراسموس، ومنه إلى ترجمة الملك جيمس، ومنها إلى العربية.
وهذا ليس رأيَ خصمٍ للمسيحية. هو ما تقرّره النقديّةُ النصّية المسيحية نفسها، ولا خلاف عليه بين أهل الاختصاص، ولهذا حُذف من الترجمات المسيحية الحديثة المحقَّقة.
وعقيدةُ التثليث لم تنضج إلّا في أواخر القرن الرابع. وفي إنجيل يوحنا نفسه، وهو أرفعُ الأناجيل في المسيح، يقول عيسى «الآبُ أعظمُ منّي»، وهذا ينقض التساويَ نقضًا. والإنجيل نفسه نصٌّ مركَّب، مرّ عليه محرّرون خفّفوا بعض ما فيه، فبقي فيه الإثباتُ والنفيُ متجاورين.
فحين نرفع التثليث من هذه الصلوات، لسنا نحذف شيئًا كان فيها. نحن نُعيدها إلى ما كانت عليه قبل أن يُضاف.
ما الذي لم ننجح فيه
وليس من الأمانة أن نذكر ما وافقنا ونسكت عمّا خالفنا. وهذا الكتاب يقوم على دعوى أنّ غيرَنا أخفى، فإن أخفينا نحن سقطت الدعوى.
الآية الأولى من إنجيل يوحنا لم تُحسَم لنا. ذهبنا إلى السريانية نطلب فرقًا، فإذا هي أبسطُ من اليونانية لا أدقّ، لأنّ السريانية لا تملك أداةَ تعريفٍ تُقابل اليونانية. واليونانية هي التي فيها الفرق: ho logos معرّفة و*theos* غيرُ معرّفة، وهذا يحتمل قراءةً وصفية. فاختيارُنا «وكانت الكلمةُ من الله» قائمٌ على آية النساء ١٧١ وعلى نحوِ اليونانية، لا على السريانية.
والآية الثامنة عشرة أصعب. فالترجمة السريانية توافق القراءة الأثقل التي في أقدم البرديّات. الطبقةُ الأقدم هنا تعمل ضدّنا، ونحن نصرّح بأنّ تعديلنا لها تعديلٌ عقديّ مبناه القرآن، لا استردادٌ نصّي. ويبقى أنّ الكلمة «فريد» لا «مولود»، وأنّ القراءات مختلفةٌ في المخطوطات اليونانية أصلًا.
والولادة العذرية حجّةُ متّى فيها قائمةٌ على ترجمةٍ خاطئة: العبريةُ עלמה تعني الفتاة الشابّة، والسبعينيّةُ نقلتها παρθένος أي العذراء. ونحن نؤمن بعذرية مريم، ولكن لا من هذا الطريق. القرآن يُثبتها بلفظه هو: ولم يمسسني بشر، والتي أحصنت فرجها. ولا يستشهد بإشعياء قطّ. فلا نحتجّ نحن بما احتجّ به متّى.
على أيّ شيء نقف
الذي يجمع هذا الكتاب كلَّه آيةٌ واحدة، النساء ١٧١:
يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلّا الحقّ. إنّما المسيحُ عيسى ابنُ مريم رسولُ الله وكلمتُهُ ألقاها إلى مريم وروحٌ منه. فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة.
فعيسى روحُ الله وكلمتُه، وعبدُه ورسولُه. وهذه الأربعة هي التي أثبتناها حيثما نزعنا البُنوّة والألوهية. واثنتان منها من هذه الآية، واثنتان من قول عيسى عن نفسه في المهد: إنّي عبدُ الله، آتاني الكتابَ وجعلني نبيًّا.
ولاحِظ أنّ الآية تبدأ بـ«لا تغلوا»، لا بـ«لا تؤمنوا». فليس المطلوبَ أن يُنقَص من قدر عيسى، بل ألّا يُزاد عليه. والقرآن يُثبت له من الآيات ما لا تُثبته الأناجيل الإزائية: كلامَه في المهد، وخلقَه من الطين طيرًا بإذن الله، وإحياءَ الموتى بإذنه، والمائدةَ من السماء. ومن قرأ سورة مريم رأى مريمَ في مقامٍ لا تبلغه في العهد الجديد: مصطفاةً على نساء العالمين، وسورةٌ كاملةٌ باسمها، ولا سورةَ في القرآن باسم امرأةٍ سواها.
فالذي نصنعه ليس تنقيصًا من ناحيةٍ لحساب ناحية. هو رفعُ ما زِيد، وإبقاءُ ما كان.
ونحن لا نُصحّح عيسى. نحن نمتنع عن أن نرث ما صنعته اللغاتُ به.
ولسنا ندّعي أنّنا فهمنا الروح والكلمة على وجههما. هذا أكبرُ سؤالٍ في هذا العمل، وهو مفتوح. ما نعرفه أنّ السؤال لم يكن سؤالًا عن الجوهر حتّى جعلته اليونانيةُ كذلك.
وكذلك مسألةُ ما بين عيسى ومحمّد وأحمد، وما إن كان الفارقليطُ الموعودُ في يوحنا هو ما بشّر به عيسى في الصفّ ٦١:٦. هذا بحثٌ قائم، لا عقيدةٌ مقرّرة، ونذكره هنا سؤالًا لا جوابًا.
كلمةٌ للقارئ المسيحيّ، وأخرى للمسلم
أمّا المسيحيّ فسيجد في هذا الكتاب صلواتِه التي يعرفها، وقد رُفع منها ما لم يكن فيها. وأعلم أنّ فيها ما هو عزيزٌ عليه. ولا أطلب منه أن يقبل، بل أن ينظر في المخطوطات. فالذي أقوله عن الفاصلة اليوحناوية يقوله علماءُ النقد النصّيّ في جامعاته هو، لا في جامعاتنا. والذي أقوله عن unigenitus موجودٌ في المعاجم اليونانية التي تُدرَّس في كلّيّاته. أنا لا آتيه بخبرٍ من خارج، بل أقرأ عليه ما في بيته.
وأمّا المسلم فليس هذا الكتاب دعوةً إلى الشماتة. فالقرآن يسمّي القوم أهلَ الكتاب، لا أهلَ الباطل، ويقول ولتجدنّ أقربهم مودّةً للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى. والذي في هذه الصفحات يقول له شيئًا قد لا يكون انتبه إليه: أنّ مزاميرَ داود التي يقرؤها المسيحيّ في كنيسته هي زبورُ داود الذي يؤمن هو بأنّه منزَّل، وأنّ الكلمة التي يُسبّح بها هي الكلمة التي يُسبّح بها ذاك. وأنّ ما بينهما من ترجمةٍ أفسدت، لا من وحيٍ اختلف.
كيف يُقرأ هذا الكتاب
النصوص هنا نظيفة، بلا شرحٍ ولا حاشية، لتُصلّى وتُقرأ. وسببُ كلِّ تعديل، وموضعُه من السرياني أو العبري أو القرآن، محفوظٌ في ملفّات العمل، ومن أراد المراجعة فليرجع إليها. ما في هذا الكتاب هو النتيجة، وهناك الدليل.
والعربية هي الأصل، والإنجليزيةُ والفرنسيةُ والإسبانيةُ تراجمُ عنها. وليست تراجمَ إصلاحٍ مستقلّة، لأنّ جوهر العمل عربيّ الطبع: نزعُ أثر اليونانية واللاتينية وردُّ اللسان إلى أصله. وهذا لا يُستنسخ في لغةٍ ليس لها لسانٌ منزَّل تعود إليه. فالذي تحمله التراجم هو المعنى والعقيدة، لا المنهج.
وحيث أصاب المترجمون الأوّلون أبقينا كلامهم. «السلام عليكِ يا مريم» صوابٌ محض. و«طوبى» هي كلمةُ عيسى نفسها، من جذر ط و ب. و«ملكوت» ليست دخيلةً بل هي الكلمة الآرامية بعينها. و«كأسي رَيَّى» في المزمور الثالث والعشرين لفظتان كلتاهما أختُ العبرية، وكنّا قد استبدلناهما فرددناهما. ليس هذا الكتاب خصومةً مع من ترجم قبلنا. هو استكمالٌ لما لم يكن في وسعهم أن يبلغوه، لأنّ ما نزلنا إليه لم يكن متاحًا لهم.
وأخيرًا: هذا عملٌ مفتوح. فيه مواضعُ صحّحنا فيها أنفسنا مرّتين. وسيكون فيه ما يُصحَّح بعد. وقد أثبتنا مواضعَ ضعفِنا كما أثبتنا مواضعَ قوّتنا، لأنّ عملًا يُخفي خساراته لا يُوثَق بمكاسبه.
ليس في هذه النصوص حرفٌ يُنكره أحدُ الاثنين. تُقال في مجلسٍ واحد بصوتٍ واحد. وهي أكثرُ الكتاب، وهي كتابٌ تامٌّ بذاته لمن أراد الصلاة المشتركة وحدها.
١. الاستفتاحيُقال معًا
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم. آمين.
٢. صلاة السيد عيسىيُقال معًا
ربّنا ربّ السماواتِ والأرض،
تبارك اسمُك،
أقِم لنا ملكوتَك،
وأنفِذ مشيئتَك في الأرضِ كما تنفُذُ في السماء،
وارزُقنا اليومَ رزقَنا،
واغفِر لنا ذنوبَنا، كما نعفو عمّن أساء إلينا،
ولا تردَّنا إلى فتنة، وأعِذنا من الشيطانِ الرجيم.
لك المُلكُ ولك الحمدُ ولك العِزّة،
تباركتَ ربَّنا وتعاليت. آمين.
٣. السلام عليكِ يا مريميُقال معًا
السلامُ عليكِ يا مريم،
إنّ الله اصطفاكِ وطهّرَكِ،
واصطفاكِ على نساءِ العالمين،
وبارك في ولدِكِ عيسى ابنِ مريم،
روحِ اللهِ وكلمتِه. يا صدّيقةُ يا طاهرةُ يا مريم،
يا أمَّ عيسى روحِ اللهِ وكلمتِه،
وصلّى اللهُ عليكِ،
وعلى ولدِكِ عيسى،
صلاةً وسلامًا إلى يومِ الدين.
ومن كان من أهل التوسّل زاد قبل الختام: اذكُري ربَّكِ لنا، نحن المُسرفينَ على أنفُسِنا، إذ أذِنَ لكِ، الآنَ وعندَ انقضاءِ آجالِنا. وهذا موضعُ اختلافٍ بين الطوائف، فمن تركه لم يُنقِص من الصلاة شيئًا.
٤. التطويباتيُقال معًا
طوبى للمُخبِتين، فإنّ لهم ملكوتَ السماوات. طوبى للحزانى، فإنّه لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. طوبى للحُلَماء، فإنّ الأرضَ يرِثُها عبادُ اللهِ الصالحون. طوبى للجياعِ والعِطاشِ إلى البرّ، فإنّهم يُوَفَّونَ أجرَهم عند ربّهم. طوبى للرحماء، فإنّ الراحمينَ يرحمُهُمُ الرحمن. طوبى لسليمي القلب، فإنّ ربَّهم يرضى عنهم ويُقرِّبُهم إليه. طوبى للمُصلِحين، فإنّهم من أولياءِ الله، وهو يُحبُّهم. طوبى للمُضطهَدينَ في سبيلِ الله، فإنّ لهم ملكوتَ السماوات. طوبى لكم إذا سبَّكُمُ الناسُ، وآذَوكم،
وقالوا فيكُمُ الزُّورَ والبهتانَ في سبيلِ الله.
فاصبِروا واحتسِبوا، فإنّ أجرَكم عظيمٌ عند ربّكم.
وكذلك فعلوا بالأنبياءِ من قبلِكم.
٥. نشيد مريميُقال معًا
تُسبِّحُ نفسي الله،
ويبتهِجُ قلبي بربّي ومُنقِذي. فقد نظر إلى أمَتِه في تواضُعِها،
فمن الآنَ تقولُ الأجيالُ كلُّها:
طوبى لمريم، اصطفاها ربُّها على نساءِ العالمين. صنع بي العظيمُ القديرُ عظائم،
سبحانه، تبارك اسمُه. ورحمتُه للمتّقين، جيلًا بعد جيل. بطَشَ بقوّتِه، وفرَّقَ المستكبرينَ في كِبْرِ أنفُسِهم.
أنزل الجبابرةَ عن عروشِهم، ورفع المستضعَفين.
أشبع الجياعَ من فضلِه، وردَّ الأغنياءَ صُفْرَ الأيدي. ونصر عبدَه إسرائيلَ ذِكرى لرحمتِه،
وفاءً بما عاهد به آباءَنا:
إبراهيمَ خليلَ اللهِ وذرّيّتَه إلى آخرِ الزمان.
٦. نشيد سمعانيُقال معًا
اللهمَّ،
الآنَ تَوَفَّ عبدَك مُسلِمًا وجهَه إليك،
كما وعدتَه بسلامٍ منك. فقد رأت عينايَ آيةً من آياتِك،
وبُشرى من بِشاراتِك،
التي أعددتَها لجميعِ الأممِ والعالمين: نورًا وهدًى للأمم،
ومَكرُمةً لبني إسرائيل،
شعبِك المُختار.
٧. المزمور الأوّليُقال معًا
طوبى لمن لم يسلُك في مشورةِ الظالمين،
ولم يقِف في طريقِ الخاطئين،
ولم يجلِس في مجلسِ المستهزئين،
بل كان في توراةِ ربِّه هواه، وفيها يتدبَّرُ ليلَه ونهارَه. فيكونُ كشجرةٍ مغروسةٍ على فَلَجِ الماء،
تؤتي أُكُلَها في حينِها، ولا يذبُلُ ورقُها، وكلُّ ما يصنعُ يُفلِح. ليس كذلك الظالمون، بل هم كهباءٍ تذروه الريح.
فلا يقومُ الظالمونَ في الحساب، ولا الخاطئونَ في جماعةِ الصدّيقين. فإنّ اللهَ يعلمُ سبيلَ الصدّيقين، وسبيلُ الظالمينَ يَبور.
٨. المزمور الثالث والعشرونيُقال معًا
ربّي راعيَّ، فلا يُعوِزُني شيء. في مراعٍ خُضرٍ يُربِضُني،
وعلى مياهِ الراحةِ يَقودُني. يَرُدُّ نفسي،
ويهديني سُبُلَ الصِّدقِ لاسمِه. وإذا سِرتُ في وادي ظِلِّ الموتِ لا أخافُ سوءًا،
فإنّك معي، عصاك وعُكّازُك بهما أطمئنّ. تبسُطُ لي مائدةً أمامَ مُضايِقيَّ،
وتُكرِمُ بالدُّهنِ رأسي،
وكأسي رَيَّى. إنّما الطِّيبُ والرحمةُ يَردُفانِني ما حَييت،
وأسكُنُ في بيتِك طولَ الأيّام.
٩. المزمور السابع والعشرونيُقال معًا
اللهُ نوري وسَعَتي، فممَّن أخاف؟
اللهُ عِزُّ حياتي، فممَّن أفزَع؟ واحدةً سألتُ اللهَ، وإيّاها أطلُب:
أن أسكُنَ في بيتِ اللهِ كلَّ أيّامِ حياتي،
أنظُرَ إلى نِعمةِ ربّي، وأتفكَّرَ في بيتِه. فإنّه يُخبِّئُني في سِتْرِه يومَ السَّوء،
ويستُرُني بسِترِ خِبائِه. لولا أنّي آمنتُ أن أرى طِيبَ اللهِ في أرضِ الأحياء.
فارجُ اللهَ، وليَشدُدْ قلبَك، واصبِر، وارجُ الله.
١٠. المزمور الحادي والخمسونيُقال معًا
ارحمني اللهمَّ بحَنانِك، وبعظيمِ رحمتِك امحُ ذنوبي.
اغسِلني كثيرًا من إثمي، ومن خطيئتي طهِّرني. فإنّي عارفٌ بذنوبي، وخطيئتي أمامي دائمًا.
إليك وحدَك أخطأتُ، وبين يديك صنعتُ السوء. طهِّرني فأطهُر، اغسِلني فأبيضَّ من الثلج.
أسمِعني فرحًا وسرورًا، فتبتهِجَ عظامٌ سحقتَها.
استُرْ وجهَك عن خطاياي، وامحُ كلَّ آثامي. قلبًا طاهرًا سليمًا ابرَأْ لي اللهمَّ،
وروحًا مستقيمةً جدِّدْ في جوفي.
لا تطرَحني من بين يديك، ولا تنزِعْ عنّي روحَ قُدسِك.
رُدَّ إليَّ فرحَ نجاتِك، وبروحٍ منك اعضُدني. فإنّك لا تُريدُ ذبيحةً وإلّا قدَّمتُها، ولا تَرضى بقُربان.
ذبائحُ اللهِ روحٌ مُنكسِرة،
وقلبًا منكسِرًا مُنسحِقًا، اللهمَّ، لا تحقِر.
١١. المزمور الحادي والتسعونيُقال معًا
الساكنُ في سِتْرِ العليِّ، يبيتُ في ظِلِّ القدير.
أقولُ لله: ملجئي وحِصني، إلهي عليه أتوكّل. فإنّه يُنجّيك من فخِّ الصيّاد، ومن الوباءِ المُهلِك.
بجناحِه يُظلِّلُك، وتحتَ كَنَفِه تحتمي،
جُنّةٌ ومِجَنٌّ أمانتُه. لا تخافُ من فزعِ الليل، ولا من سهمٍ يطيرُ بالنهار،
ولا من وباءٍ يسري في الظلام، ولا من هلاكٍ يُفسِدُ في الظهيرة.
يسقُطُ عن يمينِك ألف، وعن شمالِك ألوف، وإليك لا يصِل. فإنّك جعلتَ اللهَ ملجأك، والعليَّ مأواك.
لا يُصيبُك سوء، ولا تدنو نازلةٌ من رَحلِك.
فإنّه يوصي ملائكتَه بك، ليحفظوك في كلِّ سُبُلِك،
على أيديهم يحملونك، لئلّا تصدِمَ بحجرٍ رِجلَك. قال الله: لأنّه تعلَّقَ بي أُنجّيه، وأرفعُه لأنّه عرَفَ اسمي.
يدعوني فأستجيبُ له، معه أنا في الضيق،
أُنقِذُه وأُكرِمُه، وطولَ الأيّامِ أُشبِعُه، وأُريه نجاتي.
١٢. المزمور الحادي والعشرون بعد المئةيُقال معًا
أرفعُ عينيَّ إلى الجبال، من أينَ يأتيني العون؟
عوني من عندِ الله، فاطرِ السماواتِ والأرض. لا يَدَعُ قدمَك تزِلّ، ولا ينامُ حافظُك.
لا تأخذه سِنَةٌ ولا نَوْم، حافظُ إسرائيل. اللهُ حافظُك، اللهُ ظِلٌّ عن يمينِك.
لا تضرِبُك الشمسُ بالنهار، ولا القمرُ بالليل. اللهُ يحفظُك من كلِّ سوء، يحفظُ نفسَك.
اللهُ يحفظُ خروجَك ودخولَك، من الآنَ وإلى آخِرِ الدهر.
١٣. المزمور التاسع والثلاثون بعد المئةيُقال معًا
اللهمَّ، قد سبَرْتَني وعرَفتني.
أنت تعلمُ قعودي وقيامي، وتفهمُ فِكري من بعيد.
تُحيطُ بمَسلَكي ومَرقَدي، وكلُّ سُبُلي لديك معلومة.
فما في لساني كلمةٌ إلّا وأنت تعلمُها كلَّها. من خلفي ومن أمامي أحطتَني، ووضعتَ عليَّ يدَك.
عجيبٌ هذا العلمُ فوقي، ارتفعَ فلا أبلُغُه. أينَ أذهبُ من روحِك؟ وأينَ أفِرُّ من وجهِك؟
إن صعِدتُ إلى السماءِ فأنت هناك، وإن فرَشتُ في الثرى فأنت هناك.
إن أخذتُ أجنحةَ السَّحَر، وسكنتُ في أقاصي البحر،
فهناك أيضًا تهديني يدُك، وتُمسِكُني يمينُك. وإن قلتُ: إنّما الظلامُ يَغشاني، فالليلُ نورٌ حولي.
فالظلامُ عندك ليس بمُظلِم، والليلُ كالنهارِ يُضيء،
الظلامُ والنورُ عندك سواء. فإنّك أنتَ خلقتَ كُلْيَتَيَّ، ونسَجتَني في بطنِ أمّي.
أحمدُك، فإنّي خُلِقتُ خَلْقًا عجيبًا، وعجيبةٌ صنائعُك.
ما خفِيَ عنك عظمي إذ صُنِعتُ في السرّ،
رأت عيناك نُطفتي، وفي كتابِك كُتِبَت أيّامي كلُّها. اللهمَّ اسبُرني واعرِف قلبي، امتحِنّي واعرِف هواجسي،
وانظُر: هل فيَّ طريقُ سوء؟ واهدِني سبيلَ الخُلود.
١٤. المزمور الثامن والأربعون بعد المئةيُقال معًا
هَلِّلوا لله! هَلِّلوا لله من السماوات، هَلِّلوا له في الأعالي.
هَلِّلوا له يا جميعَ ملائكتِه، هَلِّلوا له يا جميعَ جنودِه.
هَلِّلي له يا شمسُ ويا قمر، هَلِّلي له يا كواكبَ النور.
هَلِّلي له يا سماواتِ السماوات، ويا أيّتها المياهُ فوقَ السماوات. لتُهلِّلْ لاسمِ الله، فإنّه أمرَ فبُرِئَت. قال لها: كوني، فكانت.
وأقامَها إلى الأبد، وقضى قضاءً لا يزول. هَلِّلوا لله من الأرض، أيّتها التنانينُ وكلُّ اللُّجَج،
يا نارُ وبَرَدًا، وثلجًا وضبابًا، وريحًا عاصفةً صانعةً أمرَه،
أيّتها الجبالُ وكلُّ الآكام، والشجرُ المُثمِرُ وكلُّ الأَرْز،
أيّتها الوحوشُ وكلُّ البهائم، والدوابُّ والطيرُ ذواتُ الأجنحة،
يا ملوكَ الأرضِ وكلَّ الشعوب، يا رؤساءَ وكلَّ قضاةِ الأرض،
أيّها الفتيانُ والبَتولات، أيّها الشيوخُ مع الغِلمان، لتُهلِّلْ لاسمِ الله، فإنّ اسمَه وحدَه هو الأعلى،
جلالُه فوقَ الأرضِ والسماء. هَلِّلوا لله!
هذه تُقرأ وتُتأمَّل، ولا يُطلب من قارئها إقرارٌ بشيء. فيها ما يجده المسيحيُّ مألوفًا محبوبًا وإن اختلفت الألفاظ عمّا اعتاده، ولا يُطالَب بأن يقول: هذا ما أعتقد.
١٥. البشارةيُقرأ معًا
وفي الشهرِ السادس، أرسل اللهُ روحَه إلى مدينةٍ من الجليلِ اسمُها الناصرة، إلى مريمَ العذراء، التي انتبذت من أهلِها مكانًا شرقيًّا، فاتّخذت من دونِهم حجابًا، وكانت مخطوبةً لرجلٍ صالحٍ من بيتِ داودَ اسمُه يوسف. فتمثّل لها بشرًا سويًّا، وقال:
يا مريم، إنّ الله اصطفاكِ وطهّرَكِ، واصطفاكِ على نساءِ العالمين. فلمّا رأته، قالت:
إنّي أعوذُ بالرحمنِ منك إن كنتَ تقيًّا. قال:
إنّما أنا رسولُ ربِّكِ، لأهَبَ لكِ غلامًا زكيًّا. يا مريم، إنّ الله يُبشِّرُكِ بكلمةٍ منه،
اسمُه المسيحُ عيسى ابنُ مريم،
وجيهًا في الدنيا والآخرة، ومن المقرَّبين،
ويُكلِّمُ الناسَ في المهدِ وكهلًا، ومن الصالحين. قالت:
أنّى يكونُ لي غلامٌ، ولم يمسَسني بشر، ولم أكُ بغيًّا؟ قال:
كذلكِ، قال ربُّكِ: هو عليَّ هيِّن،
ولنجعلَه آيةً للناس، ورحمةً منّا،
وكان أمرًا مقضيًّا.
إذا قضى اللهُ أمرًا فإنّما يقولُ له: كُن فيكون. وهذا، إنّ نسيبتَكِ أليصاباتَ، أمَّ يحيى، حُبلى به في شيخوختِها بعد عُقم، بشارةً منحها اللهُ إيّاها بلُطفِه. ليس شيءٌ يُعجِزُ الله. قالت:
إنّما أنا أمةُ ربّي، فليكُن ما شاء الله.
اللهمَّ ربِّ، إنّي أقنُتُ لك، وأسجُد، وأركعُ مع الراكعين. فمضى من عندِها الرسول.
١٦. الميلاديُقرأ معًا
فحمَلَته فانتبذت به مكانًا قصيًّا. فأجاءها المخاضُ إلى جِذعِ النخلة.
قالت: يا ليتني مِتُّ قبلَ هذا وكنتُ نسيًا منسيًّا. فناداها من تحتِها:
ألّا تحزني، قد جعل ربُّكِ تحتَكِ سريًّا.
وهُزّي إليكِ بجِذعِ النخلةِ تُساقِط عليكِ رُطبًا جنيًّا.
فكُلي واشربي وقَرّي عينًا.
فإمّا ترَيِنَّ من البشرِ أحدًا فقولي:
إنّي نذرتُ للرحمنِ صومًا، فلن أُكلِّمَ اليومَ إنسيًّا. فأتت به قومَها تحمِلُه.
قالوا: يا مريمُ لقد جئتِ شيئًا فريًّا.
يا أختَ هارون، ما كان أبوكِ امرأَ سَوءٍ، وما كانت أمُّكِ بغيًّا. فأشارت إليه.
قالوا: كيف نُكلِّمُ من كان في المهدِ صبيًّا؟ قال:
إنّي عبدُ الله،
آتاني الكتابَ، وجعلني نبيًّا.
وجعلني مباركًا أينما كنت،
وأوصاني بالصلاةِ والزكاةِ ما دمتُ حيًّا،
وبَرًّا بوالدتي،
ولم يجعلني جبّارًا شقيًّا. والسلامُ عليَّ يومَ وُلِدت، ويومَ أموت، ويومَ أُبعَثُ حيًّا.
١٧. سبحان الله في العلىيُقرأ معًا
سبحانَ اللهِ في العُلى،
والسلامُ على الأرض،
ورضوانُ اللهِ على عبادِه. نُسبِّحُك، ونباركُ اسمَك،
ونسجُدُ لك، ونحمَدُك،
ونشكُرُك على عظيمِ فضلِك،
يا اللهُ ربَّ العالمين،
الواحدَ الأحدَ، القادرَ على كلِّ شيء. والسلامُ على عيسى ابنِ مريم،
روحِ اللهِ وكلمتِه، عبدِه ورسولِه:
يومَ وُلِد، ويومَ رُفِع، ويومَ يُبعَثُ حيًّا. اللهمَّ اغفِر لنا ذنوبَنا،
واقبَل منّا، وارحمنا،
إنّك أنت التوّابُ الرحيم. فأنتَ يا اللهُ وحدَك القدّوس،
أنتَ وحدَك الربّ،
أنتَ وحدَك العليُّ الأعلى.
سبحانك ربَّنا وبحمدك،
تباركتَ وتعاليت. آمين.
هنا يفترقُ الطريق. هذه النصوص مكتوبةٌ كما نعتقدُها نحن، وفيها ما لا يستطيع المسيحيُّ أن يقولَه، ونحن نعلمُ ذلك ونقولُه صراحةً بدل أن نُخفيَه.
وثلاثةُ مواضعَ لا تحلُّها دراسةُ ترجمة: الصلب، والبنوّة، والتثليث. ما رفعناه من الكلمات المُقحَمة قرّبَ ما كان يُظنّ بعيدًا، ولم يُلغِ ما هو بعيدٌ حقًّا. ومن أراد أن يعرف أين نقف، فهنا.
١٨. التسبيحموضعُ فرق
الحمدُ للهِ الذي لم يتّخِذ ولدًا،
ولم يكُن له شريكٌ في المُلك،
ولم يكُن له وليٌّ من الذُّلّ.
له الحمدُ في الأولى والآخرة،
وهو الأوّلُ والآخِر،
اللهُ أكبرُ كبيرًا. آمين.
١٩. قانون الإيمانموضعُ فرق
أؤمنُ باللهِ، ربِّ العالمين،
الواحدِ الأحدِ، القادرِ على كلِّ شيء،
خالقِ السماواتِ والأرض. وبعيسى ابنِ مريم، المسيح،
روحِ اللهِ وكلمتِه، عبدِه ورسولِه، الذي ألقى اللهُ كلمتَه إلى مريم،
ونفخ فيها من روحِه،
فحمَلت به وهي عذراء،
وولَدَته آيةً للعالمين. وما قتلوه وما صلبوه، ولكن شُبِّهَ لهم.
بل رفعه اللهُ إليه، وكان اللهُ عزيزًا حكيمًا. رفعه اللهُ إليه طاهرًا،
فلم يَذُق موتًا، وهو حيٌّ عند ربّه،
حتّى يحينَ أمرُه. وإنّه لَعِلمٌ للساعة، ينزِلُ آيةً وشاهدًا،
واللهُ وحدَه يحكُمُ بين عبادِه يومَ الفصل. وأؤمنُ بروحِ القُدُس،
الذي ينزِّلُ به اللهُ كلامَه على رُسُلِه. وبالأمّةِ المؤمنة، مِلّةِ إبراهيمَ حنيفًا،
وبمن سبق من النبيّينَ والصدّيقينَ والشهداءِ والصالحين. وبمغفرةِ الذنوب، يغفِرُها اللهُ لمن يشاء.
وبالبعثِ يومَ القيامة، يُحيي اللهُ الموتى كما بدأهم.
وبالحياةِ الآخرة، دارِ القرار. آمين.
٢٠. في البدء كانت الكلمةموضعُ فرق
في البدءِ كانت الكلمة،
وكانت الكلمةُ عند الله،
وكانت الكلمةُ من الله.
كذلك كانت في البدءِ عند ربّها. بكلمتِه كان كلُّ شيء،
وقولُه للشيء: كُن فيكون. وفي كلمتِه الحياة،
وحياتُه نورٌ للناس.
والنورُ يُضيءُ في الظلمات،
والظلماتُ لا تُدرِكُه. أُرسِلَ من اللهِ رجلٌ اسمُه يحيى،
جاء شاهدًا ليشهدَ للنور، فيؤمنَ به الناس.
لم يكُن هو النور، ولكنّه شاهدٌ على النور.
وكان النورُ الحقُّ الذي يهدي كلَّ مَن في العالم. كان في العالم، وبكلمتِه كُوِّنَ العالم،
ولم يعرِفِ العالمُ كلمتَه.
وجاء إلى قومِه فلم يقبلوه.
فأمّا الذين قبلوه فجعلهم من أوليائِه،
يهديهم إلى نورِه،
فهم المؤمنونَ باسمِه،
الذين هداهُمُ اللهُ بفضلِه،
لا بنسبٍ ولا بهوى نفسٍ ولا بإرادةِ بشر،
بل بهدايةِ ربِّ العالمين. وألقى اللهُ كلمتَه إلى مريم،
فصارت الكلمةُ بشرًا سويًّا، وأجنَّت فينا،
فرأينا فيه آياتِ ربِّه،
مملوءًا طِيبةً وقِسطًا. وشهد له يحيى قائلًا:
هذا هو الذي بشّرتُ به،
وهو في علمِ اللهِ قبلي وإن أتى بعدي. ومن فضلِه نِلنا جميعًا رحمةً فوق رحمة.
بموسى آتانا التوراة، وبعيسى آتانا الإنجيل،
فيهما هدًى ونور. اللهُ لم يَرَه أحدٌ قطّ،
لا تُدرِكُه الأبصارُ وهو يُدرِكُ الأبصار.
ولكنّ عيسى، روحَ اللهِ وكلمتَه، أخبرَنا عنه.