قُلْ يا أهلَ الكتابِ تعالَوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم
آل عمران ٦٤
منذ سنين وأنا أقرأ «أبانا الذي في السماوات» فأجد في نفسي شيئًا لا يستقيم، لا في المعنى بل في اللسان. الجملة عربيةُ الحروف أعجميةُ التركيب، كأنّها ثوبٌ فُصِّل على جسدٍ آخر ثمّ أُلبِسَ لهذا. وكذلك «ليتقدّس اسمك»، صيغةٌ لا يقولها عربيّ إلّا في كنيسة. وكذلك «المجد للآب»، تركيبٌ لم ينشأ في العربية ولم تألفه. وطال ظنّي أنّ العلّة في المترجم، حتّى تبيّن لي أنّها ليست فيه، وأنّ الرجل صنع ما في وسعه، ولكنّ النصّ الذي بين يديه لم يكن عربيًّا ولا قريبًا من العربية، وإنّما وصله بعد رحلةٍ طويلة.
فالكلام قيل بالآرامية، ثمّ كُتب أو نُقل إلى اليونانية، ثمّ إلى اللاتينية، ثمّ إلى العربية في القرن التاسع عشر أو قبله بقليل. أربعة ألسن، وفي كلّ عبورٍ خسارة. وأكثر ما كان يستوقفني في اللفظ إنّما جاء من الطريق، لا ممّن تكلّم.
ثمّ حدث ما لم أتوقّعه. نزلتُ تحت اليونانية أطلب الطبقة السامية، أي الآرامية التي تكلّم بها السيد المسيح والعبرية التي نزل بها الزبور على داود، وكنت أحسب أنّي ذاهبٌ إلى لغةٍ أجنبية أترجم عنها. فإذا أنا أجد جذورًا عربية. والآرامية والعبرية والعربية أخواتٌ من أصلٍ واحد، جذورها هي هي، وقوانين التبدّل بينها معروفة عند أهل هذا الشأن منذ قرن ونصف، فما كنت أحسبه ابتعادًا عن العربية كان طريقًا إليها.
وينبغي أن أقول من أوّل الأمر ما لهذا الطريق وما عليه. فالأناجيل التي بين أيدينا يونانيةٌ ولاتينية، ولا نملك من كلام المسيح بالآرامية حرفًا واحدًا بخطّ من سمعه. والسريانيّ الذي أرجع إليه هو نسخة الپشيطّا، وهي متأخّرة عن زمنه بقرون، وأكثر الباحثين على أنّها منقولة عن اليونانية لا عن أصلٍ آراميّ محفوظ. فليست كلماتها كلماته بأعيانها، وإنّما هي أقدم قراءةٍ ساميّة للنصّ، ولسانٌ يعرف الجذور التي يعرفها القرآن. وما أستخرجه منها ترجيحٌ لا يقين، وقرينةٌ تُضمّ إلى غيرها، لا حجّةٌ قاطعة تُغني عن سواها. وقد رجّحتُ بها في مواضع، ولم أجعلها وحدها ميزانًا.
وأوّل ما صدمني في هذا الباب كلمةٌ واحدة. الصلاة التي علّمها السيد المسيح تُختم في التقليد المسيحيّ بقوله «ولك المجد إلى الأبد». وأصل «المجد» في اليونانية doxa (دوكسا) وفي اللاتينية gloria (غلوريا). فلمّا رجعت إلى السريانية وجدت الكلمة ܬܫܒܘܚܬܐ (تِشْبُوحْتا)، وهي من جذر س ب ح. أي أنّها التسبيح. أربعة عشر قرنًا والعربيّ المسيحيّ يقول «المجد» وجاره المسلم يقول «سبحان الله»، وهما ينطقان الكلمة نفسها ولا يدري واحدٌ منهما.
ثمّ تبيّن لي أنّ هذا ليس شاذًّا. الكلمة التي تُرجمت «الديون» في «اغفر لنا ذنوبنا» هي في السريانية ܚܘܒܐ (حَوْبا)، وهي بالعربية حَوْب، وهي في القرآن: إنّه كان حوبًا كبيرًا. ومعناها في لسانها الدَّينُ والذنبُ معًا، لا فرق بينهما. فلمّا نُقلت إلى اليونانية opheilēma (أوفيليما) ضاق المعنى إلى الدَّين وحده، ومن ذلك التضييق وحده قامت عقيدة الفداء كلّها، إذ إنّ الذنب متى صار دَينًا وجب أن يوفّيه أحد.
وفي مقدّمة إنجيل يوحنا عبارة «صار جسدًا»، والكلمة في السريانية ܒܣܪܐ (بِسْرا)، وهي بَشَر. وهي بعينها الكلمة التي في سورة مريم حين تمثّل لها الروح: فتمثّل لها بشرًا سويًّا. وبعدها في الآية نفسها فعلٌ تُرجم «حلّ بيننا»، وهو في السريانية ܐܓܢ (أَجِّن) من جذر ج ن ن، الذي منه الجنّة والجنين والمِجَنّ، وفي القرآن: فلمّا جنّ عليه الليل. ومعناه أن يُظِلّ ويستر ويغطّي. وفي هذا الفعل خبرٌ أعجب: الترجمة السريانية تستعمله أيضًا في بشارة مريم حين ظلّلتها قدرة العليّ، والباحثون في السريانية يقولون إنّ هذا ليس ترجمةً حرفيةً لليونانية في ذلك الموضع، بل اختيارٌ مقصود ليُربط الموضعان. أي أنّ أهل اللسان الأقرب إلى لسان السيد المسيح قرأوا الحادثتين حادثةً واحدة بفعلٍ واحد، وهو نزول الحضرة الإلهية وإظلالها بمن نزلت عليه.
وأمّا «الابن الوحيد»، وهي العبارة التي بُني عليها ما بُني، فأصلها في السريانية ܝܚܝܕܝܐ (يِحيدايا) من جذر و ح د، ومعناها الفريد الذي لا نظير له. ليس فيها ولادة ولا توليد. واليونانية monogenēs (مونوجينيس) مركّبة من «واحد» و«صنف»، لا من «واحد» و«وَلَد»، وإنّما اللاتينية unigenitus (أونيجينيتوس) هي التي أدخلت التوليد، فاستقرّ في نيقية «مولودٌ غير مخلوق». فالكلمة التي حُمِّلت عقيدة البنوّة الأزلية أختُ كلمة «أحد»، أوّل ما في سورة الإخلاص.
ووجدت في الزبور مثل هذا. المزمور الحادي والعشرون بعد المئة يقول عن حافظ إسرائيل إنّه لا ينام ولا يَسِن، بجذرَي ن و م و و س ن. وهما بعينهما الكلمتان في آية الكرسيّ: لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم. فالجذران واحد والاقتران واحد، حتّى ليقرأ المرء المزمور فيسمع الآية. وهلّلويا، وهي كلمة التسبيح الكبرى في المزامير كلّها، من جذر ه ل ل، وهو بالعربية جذر التهليل، أي قول لا إله إلّا الله. فالمزامير والذِّكر مبنيّان على الكلمتين نفسيهما.
وهنا انقلبت الفكرة في رأسي. كنت أظنّ أنّي أُصلح ترجمةً رديئة، فإذا أنا أرفع حاجزًا. فما بين المسيحيّ والمسلم من مسافة يظنّها أهلها مسافة عقيدة، وأكثرها ليس كذلك. أكثرها حوادث ترجمة، ومفاهيم متأخّرة أقرّتها مجامع الكنيسة في القرن الرابع وما بعده ولم تكن في النصوص الأولى. وهذه أشياء ليست من إيمان السيد المسيح في شيء، وإنّما هي ممّا جرى للورق بعده. فإذا رُفعت ظهر أنّ الباقي أقربُ ممّا كان يُظنّ بكثير.
فصار قصدي من هذا الكتاب قصدًا عمليًّا لا نظريًّا: أن يجلس المسيحيّ والمسلم في مجلسٍ واحد، فيقرآن النصّ نفسه ويقولان الصلاة نفسها بصوتٍ واحد، ولا يكذب واحدٌ منهما. وقد عرضت على هذا كلّ سطر في هذه الصفحات، أسأل في كلّ مرّة: أيستطيع الاثنان أن ينطقا به معًا وكلٌّ منهما صادقٌ فيما يعتقد؟ ولستُ أدعو مسيحيًّا أن يصير مسلمًا ولا مسلمًا أن يصير مسيحيًّا، وإنّما أدعو الاثنين أن ينظرا ما الذي قيل أوّل مرّة.
وبدأتُ بالصلوات لأنّها أقرب المواضع إلى اللقاء، ثمّ لم أستطع أن أقف عندها. فسؤال ميخا عمّا يطلبه الله من الإنسان، ودعاء يونس في بطن الحوت، وكلام أيّوب حين أُخِذ منه كلّ شيء، وجواب السيد المسيح للرجل الذي دعاه صالحًا، هذه يقرؤها الاثنان فلا يجد واحدٌ منهما ما ينكره، وليست في هذا بأقلّ من الدعاء. فاتّسع الباب حتّى بلغ ما تراه.
في اسم الله
وسيقول قائل إنّي أكتب «الله» حيث كان الكتاب يقول «الربّ» و«الإله»، فأُدخل الإسلام على نصٍّ مسيحيّ.
وهذا خطأ في التاريخ لا خلاف في الرأي. فالمسيحيّون العرب استعملوا اسم «الله» لربّهم سنة اثنتي عشرة وخمسمئة للميلاد، أي قبل الإسلام. والنقوش الصفائية والنبطية تحمل الاسم في الجزيرة قبل ذلك. وفي نقشٍ صفائيّ اكتُشف سنة أربع وعشرين وألفين، ويعود إلى نحو سنة صفر، يظهر الله خالقًا مقرونًا بالنور. فليست الكلمة إسلامية أُقحمت على نصٍّ مسيحيّ، وإنّما هي الكلمة العربية للإله، قالها العرب مسيحيّين ووثنيّين وحنفاء قبل أن يكون إسلامٌ يُستعار منه شيء. وإلى اليوم يقول القسّ في القدّاس العربيّ «الله»، ويقول الشيخ في الخطبة «الله»، ولا يشعر أحدهما أنّه استعار من الآخر.
في ما صنعته اليونانية
اللوغوس في العالم الذي دخله إنجيل يوحنا لم يكن كلمةً محايدة تنتظر من يملؤها. كان فيلون السكندريّ، وهو يهوديّ هلّينيّ كتب قبل المسيحية، قد وصف «لوغوس» هو بكر الله وأداة الخلق وكاهن السماء الأعظم. وهذه الأوصاف بأعيانها هي التي نُقلت بعدُ إلى المسيح. فالترجمة لم تُضيّع فارقًا لطيفًا في المعنى، وإنّما استبدلت بكلمةٍ شخصيّةً جاهزة. والكلمة السامية ܡܠܬܐ (مِلْثا) من جذر م ل ل، الذي منه أَمَلَّ أي أملى ليُكتب، ومنه مِلّة أي الطريقة المعطاة، فهي تشير إلى قولٍ يُقال. واليونانية تشير إلى عقلٍ يدبّر الكون، وبين الاثنين ما يسع عقيدةً بأكملها. على أنّ السريانية لا تفصل في أوّل الإصحاح فصلًا، لأنّها لا تملك أداة تعريفٍ تقابل اليونانية، فمعوّلي في تلك الآية بعينها على نصّ القرآن وعلى نحو اليونانية نفسها، لا على السريانيّ.
ومثله في رسائل بولس. عبارة πίστις Χριστοῦ (بيستِس خْريستو) تحتمل في النحو اليونانيّ وجهين، «أمانة المسيح» و«الإيمان بالمسيح»، وأكثر الباحثين اليوم على الأوّل. والذي يدلّ على أنّ الاختيار لم يكن نحويًّا أنّ المترجمين يُخرجون التركيب نفسه بمعنى «أمانةِ» حين يكون الكلام عن إبراهيم وموسى، وبمعنى «الإيمان بـ» حين يكون عن يسوع. الحالة الإعرابية واحدة والترجمة تختلف باختلاف صاحبها. وفرق ما بين الوجهين أنّ الأوّل يضع عيسى في صفّ الأوفياء من أهل الميثاق، وأمانته هي التي تحمل العهد كما حملته أمانة إبراهيم، والثاني يجعله موضوع الإيمان بدل أن يكون من أهله.
وحتّى «الناموس» ليست عربية، وإنّما هي في السريانية نفسها ܢܡܘܣܐ (ناموسا) مقترضةٌ من اليونانية nomos (نوموس). فالكلمة اليونانية أزاحت الكلمة السامية قبل أن تصل العربيةَ أصلًا. واسم الكتاب التوراة، لا الناموس.
وليست هذه الحوادث كلُّها في صالح ما أذهب إليه. فمن أشهرها أنّ حجّة متّى في الولادة العذرية إنّما قامت على السبعينية، إذ نقلت العبرية עלמה (عَلْما) وهي الفتاة الشابّة إلى παρθένος (بارثينوس) أي العذراء. وأنا أومن بعذرية مريم، ولكن لا من هذا الباب، فالقرآن يثبتها بلفظه هو، ولم يمسسني بشر، والتي أحصنت فرجها، ولا يستشهد بإشعياء قطّ.
في آيةٍ ليست من الكتاب
وأصرح ما في هذا الباب أنّ الموضع الوحيد في الكتاب المقدّس كلّه الذي ينصّ على التثليث نصًّا صريحًا، وهو رسالة يوحنا الأولى في الإصحاح الخامس، إقحامٌ لاتينيّ متأخّر ليس في أيّ مخطوطة يونانية قديمة. دخل النصّ المطبوع على يد إيراسموس، ومنه إلى ترجمة الملك جيمس، ومنها إلى العربية. وليس هذا رأي خصمٍ للمسيحية، بل هو ما تقرّره النقدية النصّية المسيحية نفسها، ولا خلاف عليه بين أهل الاختصاص، ولذلك حُذف من الترجمات المسيحية الحديثة المحقَّقة.
وعقيدة التثليث لم تنضج إلّا في أواخر القرن الرابع. وفي إنجيل يوحنا نفسه، وهو أرفع الأناجيل في المسيح، يقول السيد المسيح «الآب أعظم منّي»، وهذا ينقض التساوي نقضًا. والإنجيل نصٌّ مركّب مرّ عليه محرّرون خفّفوا بعض ما فيه، فبقي فيه الإثبات والنفي متجاورين يقرؤهما القارئ في صفحةٍ واحدة.
فالذي أرفعه من هذه الصلوات لم يكن فيها يوم قيلت، وإنّما لحقها بعد قرون.
على أيّ شيء أقف
يجمع هذا الكتاب كلّه آيةٌ واحدة:
يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلّا الحقّ. إنّما المسيحُ عيسى ابنُ مريم رسولُ الله وكلمتُهُ ألقاها إلى مريم وروحٌ منه. فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة.
النساء ١٧١
فعيسى روح الله وكلمته، وعبده ورسوله. وهذه الأربعة هي التي أثبتُّها حيثما نزعت البنوّة والألوهية. اثنتان منها من هذه الآية، واثنتان من قول السيد المسيح عن نفسه في المهد: إنّي عبد الله، آتاني الكتاب وجعلني نبيًّا.
وفي أوّل الآية ما ينبغي أن يُتأمّل. هي تقول «لا تغلوا»، ولا تقول «لا تؤمنوا». فليس المطلوب أن يُنقص من قدر السيد المسيح، وإنّما ألّا يُزاد عليه. والقرآن يثبت له من الآيات ما لا تثبته الأناجيل الإزائية: كلامه في المهد، وخلقه من الطين طيرًا بإذن الله، وإحياء الموتى بإذنه، والمائدة من السماء. ومن قرأ سورة مريم رأى مريم في مقامٍ لا تبلغه في العهد الجديد، مصطفاةً على نساء العالمين، وسورةٌ كاملة باسمها، وليس في القرآن سورةٌ باسم امرأة سواها. فالذي أصنعه ليس تنقيصًا من ناحيةٍ لحساب ناحية، وإنّما هو رفع ما زِيد وإبقاء ما كان.
وأزيد آيتين هما إذنُ هذا العمل كلِّه.
الأولى في الإنجيل نفسه، المائدة ٤٦:
وقفَّينا على آثارهم بعيسى ابنِ مريمَ مصدِّقًا لما بين يديه من التوراة، وآتيناه الإنجيلَ فيه هدًى ونور.
فالقرآن يشهد للإنجيل بالهدى والنور، ولا يذكره ليُبطِله. ومن هذا الباب جاز لي أن أُصلّي بما فيه، لا من باب المجاملة.
والثانية في الفُرقة نفسها، الشورى ١٣:
شرَع لكم من الدين ما وصّى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيمَ وموسى وعيسى: أنْ أقيموا الدينَ ولا تتفرّقوا فيه.
فالدين الذي أُوصي به عيسى والدين الذي أُوحي إلى محمّد واحدٌ منصوصٌ عليه بالاسم، والتفرّق فيه منهيٌّ عنه صراحة. فما أصنعه في هذه الصفحات ليس اجتهادًا في التقريب أستحسنه من عندي، وإنّما امتثالٌ لنهيٍ في النصّ.
ولستُ أُصحّح السيد المسيح. إنّما أمتنع عن أن أرث ما صنعته اللغات به.
ولا أدّعي أنّي فهمت الروح والكلمة على وجههما. هذا أكبر سؤالٍ في هذا العمل وهو مفتوح، والذي أعرفه أنّ السؤال لم يكن سؤالًا عن الجوهر حتّى جعلته اليونانية كذلك. وكذلك مسألة ما بين السيد المسيح ومحمّد وأحمد، وما إن كان الفارقليط الموعود في يوحنا هو ما بشّر به السيد المسيح في سورة الصفّ، فهذا بحثٌ قائم لا عقيدة مقرّرة، وأذكره هنا سؤالًا لا جوابًا.
في المراتب الثلاث
وليست النصوص كلّها سواءً في هذا الباب، فقسّمتها ثلاث مراتب وكتبت على كلّ مرتبةٍ ما هي.
فالمرتبة الأولى ما يُقال معًا، وهي نصوصٌ يستطيع الاثنان أن يصلّيا بها في مجلسٍ واحد بصوتٍ واحد، وليس فيها حرفٌ ينكره أحدهما. وهي أكثر الكتاب، وهي المقصودة بما ذكرتُه من الغاية. ومن أراد الصلاة المشتركة وحدها فليقرأها ويقف، فهي كتابٌ تامّ بذاته.
والمرتبة الثانية ما يُقرأ معًا، وهي نصوصٌ تُقرأ ويُتأمّل فيها ولا يُطلب من قارئها إقرارٌ بشيء. فيها ما يجده المسيحيّ مألوفًا محبوبًا وإن اختلفت الألفاظ عمّا اعتاده، ولا يُطالَب بأن يقول هذا ما أعتقد.
والمرتبة الثالثة مواضع الفرق: الصلب والبنوّة والتثليث، وهو ما بقي من الخلاف بعد رفع ما رُفع. وهي مكتوبة كما أعتقدها، ولا يُطلب من أحدٍ أن يقولها معي.
للقارئ
في هذه الصفحات صلواتٌ تعرفها، وقد رُفع منها ما لم يكن فيها يوم قيلت. وأعلم أنّ فيها ما هو عزيزٌ على من نشأ عليه، فلستُ أطلب منك أن تقبل، وإنّما أن تنظر في المخطوطات. فالفاصلة اليوحناوية قرّر إقحامَها المحقّقون من أهل النقد النصّيّ، وعلى قولهم حُذفت من الترجمات المسيحية الحديثة. و*unigenitus* (أونيجينيتوس) مثبتٌ في المعاجم اليونانية المتداولة. فلستُ آتيك بخبرٍ من خارج، وإنّما أدلّك على ما هو مبذولٌ لمن طلبه.
وليس في هذا الكتاب موضعٌ للغلبة، ولا فيه من يربح ومن يخسر. فالقرآن يسمّي أصحاب الإنجيل أهل الكتاب، ويقول: ولتجدنّ أقربهم مودّةً للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى. والمزامير التي تُرتَّل في الكنيسة هي الزبور الذي أُنزل على داود، والكلمة التي يُسبَّح بها في المسجد هي التي يُسبَّح بها في الكنيسة، وما بينهما ترجمةٌ أفسدت لا وحيٌ اختلف.
في قراءة هذا الكتاب
ومصادر هذا الكتاب أربعة: الزبور، والإنجيل، والقرآن، وما أُثر من دعاء النبيّ محمّد. وقد أدخلتُ الرابع بعد أن رأيت في أدعيته لسانًا أعلى ممّا في الترجمات وأعمق، وليس فيها ما يمتنع عن قوله مسيحيّ، إذ هي سؤالٌ لله وحده لا شهادةَ فيها لأحد. ولم أُدخِل منها شيئًا في متن مزمورٍ أو في كلامٍ منسوبٍ إلى المسيح، وإنّما وضعتُها حيث كان اللفظُ لفظي.
النصوص هنا نظيفة بلا شرحٍ ولا حاشية، لتُصلّى وتُقرأ. ولكلّ تعديلٍ سببٌ وموضعٌ من السريانيّ أو العبريّ أو القرآن، وقد جمعتُ ذلك كلّه في الدليل، وهو كتابٌ ثانٍ إلى جانب هذا: فيه معجم الجذور التي تشترك فيها الألسنة الثلاثة، ومواضع الترجمة التي خرجت منها العقائد، والمواضع التي زادها النسّاخ، والجمل التي يقولها النصّان بلفظٍ واحد. فمن أراد أن يعرف على أيّ شيء بُني هذا الكتاب فليقرأه. وفي هذا الكتاب النتيجة، وهناك الدليل.
والعربية هي الأصل، وما سواها ترجمةٌ عنها لا إصلاحٌ مستقلّ، لأنّ جوهر العمل عربيّ الطبع، إذ هو نزع أثر اليونانية واللاتينية وردّ اللسان إلى أصله، وهذا لا يُستنسخ في لغةٍ ليس لها لسانٌ منزَّل تعود إليه. فالذي تحمله التراجم المعنى والعقيدة، لا المنهج.
وحيث أصاب المترجمون الأوّلون أبقيتُ كلامهم. «السلام عليك يا مريم» صوابٌ محض. و«طوبى» هي كلمة السيد المسيح نفسها من جذر ط و ب. و«ملكوت» ليست دخيلةً بل هي الكلمة الآرامية بعينها. و«كأسي رَيَّى» في المزمور الثالث والعشرين لفظتان كلتاهما أخت العبرية، وكنت قد استبدلتهما فرددتهما. فليس هذا الكتاب خصومةً مع من ترجم قبلي، وإنّما هو استكمالٌ لما لم يكن في وسعهم أن يبلغوه، لأنّ ما نزلتُ إليه لم يكن متاحًا لهم.
وهو بعدُ عملٌ لم يتمّ. فيه مسائل لم يستقرّ لي فيها قول، وفيه ما رجعت فيه عن رأيٍ إلى رأي، وسيكون فيه ما يُستدرك عليّ. وحسبي أنّي بلغت ما بلغت، ومن وجد أقرب إلى الصواب فليقله.
ليس في هذه النصوص حرفٌ ينكره أحد الاثنين، فتُقال في مجلسٍ واحد بصوتٍ واحد. وهي أكثر الكتاب، ومن أراد الصلاة المشتركة وحدها وجد فيها ما يكفيه.
١. إلهُنا وإلهُكم واحديُقال معًا
تعالَوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم:
ألّا نعبُدَ إلّا الله،
ولا نُشرِكَ به شيئًا،
ولا يتّخِذَ بعضُنا بعضًا أربابًا من دون الله.آمنّا بالذي أُنزِل إلينا وأُنزِل إليكم،
وإلهُنا وإلهُكم واحد،
ونحن له مُسلِمون.
٢. الاستفتاحيُقال معًا
بسمِ الله. آمين.
بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ، الإِلهِ الْوَاحِدِ. آمِين.
٣. صلاة السيد المسيحيُقال معًا
ربّنا ربّ السماواتِ والأرض،
تقدّس اسمُك،
ليأتِ ملكوتُك،
لتكن مشيئتُك كما في السماءِ كذلك في الأرض،
هَبْ لنا اليومَ رزقَنا،
واغفِر لنا ذنوبَنا، كما نغفرُ لمن أساء إلينا،
ولا تفتِنّا، وقِنا الشرّ.
لك المُلكُ ولك القوّةُ ولك التسبيح،
تباركتَ ربَّنا وتعاليت. آمين.
أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ،
لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ.
لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ.
لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ.
خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ.
وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا.
وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ.
لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ وَالْقُوَّةَ وَالْمَجْدَ إِلَى الأَبَدِ. آمِين.
٤. السلام عليكِ يا مريميُقال معًا
السلامُ عليكِ يا مريم،
إنّ الله اصطفاكِ وطهّرَكِ،
واصطفاكِ على نساءِ العالمين،
وبارك في ولدِكِ عيسى ابنِ مريم،
روحِ اللهِ وكلمتِه.يا صدّيقةُ يا طاهرةُ يا مريم،
يا أمَّ عيسى روحِ اللهِ وكلمتِه،
وسلامُ اللهِ عليكِ،
وعلى ولدِكِ عيسى،
سلامًا وبركةً إلى يومِ الدين.
السَّلاَمُ عَلَيْكِ يَا مَرْيَمُ، يَا مُمْتَلِئَةً نِعْمَةً،
الرَّبُّ مَعَكِ.
مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ،
وَمُبَارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ يَسُوعُ.يَا قِدِّيسَةَ مَرْيَمُ، يَا وَالِدَةَ اللهِ،
صَلِّي لأَجْلِنَا نَحْنُ الْخَطَأَةَ،
الآنَ وَفِي سَاعَةِ مَوْتِنَا. آمِين.
ومن كان من أهل التوسّل زاد قبل الختام: اذكُري ربَّكِ لنا، نحن المُسرفينَ على أنفُسِنا، إذ أذِنَ لكِ، الآنَ وعندَ انقضاءِ آجالِنا. وهذا موضعُ اختلافٍ بين الطوائف، فمن تركه لم يُنقِص من الصلاة شيئًا.
٥. التطويباتيُقال معًا
طوبى للمُخبِتين، فإنّ لهم ملكوتَ السماوات.طوبى للحزانى، فإنّه لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.طوبى للحُلَماء، فإنّ الأرضَ يرِثُها عبادُ اللهِ الصالحون.طوبى للجياعِ والعِطاشِ إلى البرّ، فإنّهم يُوَفَّونَ أجرَهم عند ربّهم.طوبى للرحماء، فإنّ الراحمينَ يرحمُهُمُ الرحمن.طوبى لسليمي القلب، فإنّهم يعبدون اللهَ كأنّهم يرونه، وإن لم يروه فإنّه يراهم.طوبى للمُصلِحين، فإنّهم من أولياءِ الله، وهو يُحبُّهم.طوبى للمُضطهَدينَ في سبيلِ الله، فإنّ لهم ملكوتَ السماوات.طوبى لكم إذا سبَّكُمُ الناسُ، وآذَوكم،
وقالوا فيكُمُ الزُّورَ والبهتانَ في سبيلِ الله.
فاصبِروا واحتسِبوا، فإنّ أجرَكم عظيمٌ عند ربّكم.
وكذلك فعلوا بالأنبياءِ من قبلِكم.
طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ.طُوبَى لِلْحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ.طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ.طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ.طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ.طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ.طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ.طُوبَى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ.طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ،
مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِينَ.
اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ،
فَإِنَّهُمْ هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ.
٦. نشيد مريميُقال معًا
تُسبِّحُ نفسي الله،
ويبتهِجُ قلبي بربّي ومُنقِذي.فقد نظر إلى أمَتِه في تواضُعِها،
فمن الآنَ تقولُ الأجيالُ كلُّها:
طوبى لمريم، اصطفاها ربُّها على نساءِ العالمين.صنع بي العظيمُ القديرُ عظائم، تبارك اسمُه.
لك الحمدُ ملءَ السماواتِ وملءَ الأرضِ وملءَ ما شئتَ من شيءٍ بعد.ورحمتُه للمتّقين، جيلًا بعد جيل.بطَشَ بقوّتِه، وفرَّقَ المستكبرينَ في كِبْرِ أنفُسِهم.
أنزل الجبابرةَ عن عروشِهم، ورفع المستضعَفين.
أشبع الجياعَ من فضلِه، وردَّ الأغنياءَ صُفْرَ الأيدي.ونصر عبدَه إسرائيلَ ذِكرى لرحمتِه،
وفاءً بما عاهد به آباءَنا:
إبراهيمَ خليلَ اللهِ وذرّيّتَه إلى آخرِ الزمان.
تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ،
وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي،لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ.
فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي،لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ،وَرَحْمَتُهُ إِلَى جِيلِ الأَجْيَالِ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَهُ.صَنَعَ قُوَّةً بِذِرَاعِهِ. شَتَّتَ الْمُسْتَكْبِرِينَ بِفِكْرِ قُلُوبِهِمْ.
أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ.
أَشْبَعَ الْجِيَاعَ خَيْرَاتٍ وَصَرَفَ الأَغْنِيَاءَ فَارِغِينَ.عَضَدَ إِسْرَائِيلَ فَتَاهُ لِيَذْكُرَ رَحْمَةً،
كَمَا كَلَّمَ آبَاءَنَا،
لإِبْرَاهِيمَ وَنَسْلِهِ إِلَى الأَبَدِ.
٧. نشيد سمعانيُقال معًا
اللهمَّ،
الآنَ تَوَفَّ عبدَك مُسلِمًا وجهَه إليك،
كما وعدتَه بسلامٍ منك،
واجعَل خيرَ أيّامي يومَ ألقاك.فقد رأت عينايَ آيةً من آياتِك،
وبُشرى من بِشاراتِك،
التي أعددتَها لجميعِ الأممِ والعالمين:نورًا وهدًى للأمم،
ومَكرُمةً لبني إسرائيل،
شعبِك المُختار.
الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ،لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ،
الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ،نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ،
وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ.
٨. المزمور الأوّليُقال معًا
طوبى لمن لم يسلُك في مشورةِ الكاذبين،
ولم يقِف في طريقِ الخاطئين،
ولم يجلِس في مجلسِ المستهزئين،
بل كان في توراةِ ربِّه هواه، وفيها يتدبَّرُ ليلَه ونهارَه.فيكونُ كشجرةٍ مغروسةٍ على فَلَجِ الماء،
تؤتي أُكُلَها في حينِها، ولا يذبُلُ ورقُها، وكلُّ ما يصنعُ يُفلِح.ليس كذلك الكاذبون، بل هم كهباءٍ تذروه الريح.
فلا يقومُ الكاذبونَ في الحساب، ولا الخاطئونَ في جماعةِ الصدّيقين.فإنّ اللهَ يعلمُ سبيلَ الصدّيقين، وسبيلُ الكاذبينَ يَبور.
طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ،
وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ،
وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ.
لكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ، وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلاً.فَيَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِي الْمِيَاهِ،
الَّتِي تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي أَوَانِهِ، وَوَرَقُهَا لاَ يَذْبُلُ. وَكُلُّ مَا يَصْنَعُهُ يَنْجَحُ.لَيْسَ كَذلِكَ الأَشْرَارُ، لكِنَّهُمْ كَالْعُصَافَةِ الَّتِي تُذَرِّيهَا الرِّيحُ.
لِذلِكَ لاَ تَقُومُ الأَشْرَارُ فِي الدِّينِ، وَلاَ الْخُطَاةُ فِي جَمَاعَةِ الأَبْرَارِ.لأَنَّ الرَّبَّ يَعْلَمُ طَرِيقَ الأَبْرَارِ، أَمَّا طَرِيقُ الأَشْرَارِ فَتَهْلِكُ.
٩. المزمور الثامنيُقال معًا
يا اللهُ ربَّنا، ما أعظمَ اسمَك في الأرضِ كلِّها،
يا من جعلتَ بهاءَك فوق السماوات.
من أفواهِ الأطفالِ والرُّضَّعِ أقمتَ حمدًا.إذا نظرتُ سماواتِك صُنعَ يديك، والقمرَ والنجومَ التي قدَّرتَها،
قلتُ: فما الإنسانُ حتّى تذكُرَه؟ وما ابنُ آدمَ حتّى تفتقِدَه؟أنقصتَه قليلًا عن الملائكة، وبالكرامةِ والبهاءِ كلَّلتَه،
وسلَّطتَه على صُنعِ يديك، وسخَّرتَ له كلَّ شيء:
الغنمَ والبقرَ جميعًا، ووحشَ البرّيّة،
وطيرَ السماءِ وسمكَ البحر، وما يسلُكُ في سُبُلِ البحار.يا اللهُ ربَّنا، ما أعظمَ اسمَك في الأرضِ كلِّها.
أيّها الربّ سيّدنا، ما أمجد اسمك في كلّ الأرض، حيث جعلت جلالك فوق السماوات.
من أفواه الأطفال والرضّع أسّست حمدًا بسبب أضدادك، لتسكيت عدوّ ومنتقم.إذا أرى سماواتك عمل أصابعك، القمر والنجوم التي كوّنتها،
فمن هو الإنسان حتّى تذكره؟ وابن آدم حتّى تفتقده؟وتنقصه قليلًا عن الملائكة، وبمجد وبهاء تكلّله.
تسلّطه على أعمال يديك. جعلت كلّ شيء تحت قدميه:
الغنم والبقر جميعًا، وبهائم البرّ أيضًا،
وطيور السماء وسمك البحر السالك في سبل المياه.أيّها الربّ سيّدنا، ما أمجد اسمك في كلّ الأرض.
١٠. المزمور التاسع عشريُقال معًا
السماواتُ تُحدِّثُ بمجدِ الله، والفلَكُ يُخبِرُ بصُنعِ يديه.
يومٌ إلى يومٍ يُذيعُ كلامًا، وليلٌ إلى ليلٍ يُبدي عِلمًا.
لا قولَ ولا كلام، ولا يُسمَعُ لهما صوت،
وفي الأرضِ كلِّها خرَج مَنطِقُهما، وإلى أقاصي المسكونةِ كلماتُهما.جعَل للشمسِ فيها خِباءً، فهي كعروسٍ خارجٍ من حَجَلَتِه،
يبتهجُ كجبّارٍ للسعيِ في الطريق.
من أقصى السماواتِ مَطلَعُها، ومَدارُها إلى أقاصيها، ولا يُخفى من حرِّها شيء.شريعةُ اللهِ كاملةٌ تردُّ النفس، وشهادتُه صادقةٌ تُحكِّمُ الجاهل.
أوامرُه مستقيمةٌ تُفرِّحُ القلب، ووصيّتُه طاهرةٌ تُنيرُ العينين.
تقوى اللهِ نقيّةٌ ثابتةٌ إلى الأبد، وأحكامُه حقٌّ عادلةٌ كلُّها.
أشهى من الذهبِ والذهبِ الكثير، وأحلى من العسلِ وقَطرِ الشِّهاد.وعبدُك أيضًا يُنذَرُ بها، وفي حفظِها ثوابٌ عظيم.
والسَّهَواتُ من يفطَنُ لها؟ فطهِّرْني ممّا خفيَ عنّي،
واحفَظْ عبدَك من المتكبّرين فلا يتسلَّطوا عليّ،
فحينئذٍ أسلَمُ وأبرَأُ من الإثمِ الكبير.ليكن قولُ فمي وفكرُ قلبي مقبولًا عندك، يا اللهُ عِصمتي ووَليِّي.
السماوات تحدّث بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه.
يوم إلى يوم يذيع كلامًا، وليل إلى ليل يبدي علمًا.
لا قول ولا كلام. لا يسمع صوتهم.
في كلّ الأرض خرج منطقهم، وإلى أقصى المسكونة كلماتهم.جعل للشمس مسكنًا فيها، وهي مثل العروس الخارج من حجلته.
يبتهج مثل الجبّار للسباق في الطريق.
من أقصى السماوات خروجها، ومدارها إلى أقاصيها، ولا شيء يختبئ من حرّها.ناموس الربّ كامل يردّ النفس. شهادات الربّ صادقة تصيّر الجاهل حكيمًا.
وصايا الربّ مستقيمة تفرّح القلب. أمر الربّ طاهر ينير العينين.
خوف الربّ نقيّ ثابت إلى الأبد. أحكام الربّ حقّ عادلة كلّها.
أشهى من الذهب والإبريز الكثير، وأحلى من العسل وقطر الشهاد.أيضًا عبدك يحذّر بها، وفي حفظها ثواب عظيم.
السهوات من يشعر بها؟ من الخطايا المستترة أبرئني.
أيضًا من المتكبّرين احفظ عبدك فلا يتسلّطوا عليّ. حينئذ أكون كاملًا وأتبرّأ من ذنب عظيم.لتكن أقوال فمي وفكر قلبي مرضيّة أمامك يا ربّ، صخرتي ووليّي.
١١. المزمور الثالث والعشرونيُقال معًا
ربّي راعيَّ، فلا يُعوِزُني شيء.في مراعٍ خُضرٍ يُربِضُني،
وعلى مياهِ الراحةِ يَقودُني.يَرُدُّ نفسي،
ويهديني سُبُلَ الصِّدقِ لاسمِه.وإذا سِرتُ في وادي ظِلِّ الموتِ لا أخافُ سوءًا،
فإنّك معي، عصاك وعُكّازُك بهما أطمئنّ.تبسُطُ لي مائدةً أمامَ مُضايِقيَّ،
وتُكرِمُ بالدُّهنِ رأسي،
وكأسي رَيَّى.إنّما الطِّيبُ والرحمةُ يَردُفانِني ما حَييت،
وأسكُنُ في بيتِك طولَ الأيّام.
اَلرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ.فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي.
إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي.يَرُدُّ نَفْسِي.
يَهْدِينِي إِلَى سُبُلِ الْبِرِّ مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ.أَيْضًا إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا،
لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي. عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي.تُرَتِّبُ قُدَّامِي مَائِدَةً تُجَاهَ مُضَايِقِيَّ.
مَسَحْتَ بِالدُّهْنِ رَأْسِي.
كَأْسِي رَيَّا.إِنَّمَا خَيْرٌ وَرَحْمَةٌ يَتْبَعَانِنِي كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي،
وَأَسْكُنُ فِي بَيْتِ الرَّبِّ إِلَى مَدَى الأَيَّامِ.
١٢. المزمور السابع والعشرونيُقال معًا
اللهُ نوري وسَعَتي، فممَّن أخاف؟
اللهُ عِزُّ حياتي، فممَّن أفزَع؟واحدةً سألتُ اللهَ، وإيّاها أطلُب:
أن أسكُنَ في بيتِ اللهِ كلَّ أيّامِ حياتي،
أنظُرَ إلى نِعمةِ ربّي، وأتفكَّرَ في بيتِه.فإنّه يُخبِّئُني في سِتْرِه يومَ السَّوء،
ويستُرُني بسِترِ خِبائِه.لولا أنّي آمنتُ أن أرى طِيبَ اللهِ في أرضِ الأحياء.
فارجُ اللهَ، وليَشدُدْ قلبَك، واصبِر، وارجُ الله.
اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي، مِمَّنْ أَخَافُ؟
الرَّبُّ حِصْنُ حَيَاتِي، مِمَّنْ أَرْتَعِبُ؟وَاحِدَةً سَأَلْتُ مِنَ الرَّبِّ وَإِيَّاهَا أَلْتَمِسُ:
أَنْ أَسْكُنَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي،
لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى جَمَالِ الرَّبِّ، وَأَتَفَرَّسَ فِي هَيْكَلِهِ.لأَنَّهُ يُخَبِّئُنِي فِي مِظَلَّتِهِ فِي يَوْمِ الشَّرِّ.
يَسْتُرُنِي بِسِتْرِ خَيْمَتِهِ.لَوْلاَ أَنَّنِي آمَنْتُ بِأَنْ أَرَى جُودَ الرَّبِّ فِي أَرْضِ الأَحْيَاءِ.
اِنْتَظِرِ الرَّبَّ. لِيَتَشَدَّدْ وَلْيَتَشَجَّعْ قَلْبُكَ، وَانْتَظِرِ الرَّبَّ.
١٣. المزمور الحادي والخمسونيُقال معًا
ارحمني اللهمَّ بحَنانِك، وبعظيمِ رحمتِك امحُ ذنوبي.
اغسِلني كثيرًا من إثمي، ومن خطيئتي طهِّرني.فإنّي عارفٌ بذنوبي، وخطيئتي أمامي دائمًا.
إليك وحدَك أخطأتُ، وبين يديك صنعتُ السوء.طهِّرني فأطهُر، اغسِلني فأبيضَّ من الثلج.
أسمِعني فرحًا وسرورًا، فتبتهِجَ عظامٌ سحقتَها.
استُرْ وجهَك عن خطاياي، وامحُ كلَّ آثامي.قلبًا طاهرًا سليمًا ابرَأْ لي اللهمَّ،
وروحًا مستقيمةً جدِّدْ في جوفي.
لا تطرَحني من بين يديك، ولا تنزِعْ عنّي روحَ قُدسِك.
رُدَّ إليَّ فرحَ نجاتِك، وبروحٍ منك اعضُدني.فإنّك لا تُريدُ ذبيحةً وإلّا قدَّمتُها، ولا تَرضى بقُربان.
ذبائحُ اللهِ روحٌ مُنكسِرة،
وقلبًا منكسِرًا مُنسحِقًا، اللهمَّ، لا تحقِر.
اِرْحَمْنِي يَا اللهُ حَسَبَ رَحْمَتِكَ. حَسَبَ كَثْرَةِ رَأْفَتِكَ امْحُ مَعَاصِيَّ.
اغْسِلْنِي كَثِيرًا مِنْ إِثْمِي، وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي.لأَنِّي عَارِفٌ بِمَعَاصِيَّ، وَخَطِيَّتِي أَمَامِي دَائِمًا.
إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ، وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ.طَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ.
أَسْمِعْنِي سُرُورًا وَفَرَحًا، فَتَبْتَهِجَ عِظَامٌ سَحَقْتَهَا.
اسْتُرْ وَجْهَكَ عَنْ خَطَايَايَ، وَامْحُ كُلَّ آثَامِي.قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اللهُ،
وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي.
لاَ تَطْرَحْنِي مِنْ قُدَّامِ وَجْهِكَ، وَرُوحَكَ الْقُدُّوسَ لاَ تَنْزِعْهُ مِنِّي.
رُدَّ لِي بَهْجَةَ خَلاَصِكَ، وَبِرُوحٍ مُنْتَدِبَةٍ اعْضُدْنِي.لأَنَّكَ لاَ تُسَرُّ بِذَبِيحَةٍ وَإِلاَّ فَكُنْتُ أُقَدِّمُهَا. بِمُحْرَقَةٍ لاَ تَرْضَى.
ذَبَائِحُ اللهِ هِيَ رُوحٌ مُنْكَسِرَةٌ.
الْقَلْبُ الْمُنْكَسِرُ وَالْمُنْسَحِقُ يَا اللهُ لاَ تَحْتَقِرُهُ.
١٤. المزمور الثالث والستّونيُقال معًا
يا اللهُ، أنت إلهي، إليك أُبكِّر.
عطِشَت إليك نفسي، واشتاق إليك جسدي، في أرضٍ ناشفةٍ يابسةٍ بلا ماء.لأنظُرَ قوّتَك ومجدَك كما رأيتُك في مقامِ قُدسِك،
فإنّ رحمتَك خيرٌ من الحياة، وشفَتايَ تُسبِّحانك.هكذا أُبارِكُك ما حَيِيت، وباسمِك أرفَعُ يديَّ.
تشبَعُ نفسي كما من طعامٍ طيّب، وبشفَتَي الابتهاجِ يُسبِّحُك فمي.إذا ذكرتُك على فِراشي، وفي السَّهَرِ ألهَجُ بك،
فإنّك كنتَ عونًا لي، وفي ظِلِّك أبتهِج.التصقت نفسي بك، ويمينُك تعضُدُني.
يا الله إلهي أنت. إليك أبكّر.
عطشت إليك نفسي، يشتاق إليك جسدي في أرض ناشفة ويابسة بلا ماء.لكي أبصر قوّتك ومجدك، كما قد رأيتك في قدسك.
لأنّ رحمتك أفضل من الحياة، شفتاي تسبّحانك.هكذا أباركك في حياتي. باسمك أرفع يديّ.
كما من شحم وسمن تشبع نفسي، وبشفتي الابتهاج يسبّحك فمي.إذا ذكرتك على فراشي، في السهد ألهج بك.
لأنّك كنت عونا لي، وبظلّ جناحيك أبتهج.التصقت نفسي بك. يمينك تعضدني.
١٥. المزمور الرابع والثمانونيُقال معًا
ما أحلى مساكنَك يا ربَّ الجنود!
تشتاقُ بل تتوقُ نفسي إلى دُورِ الله،
قلبي وجسدي يهتفانِ للهِ الحيّ.العصفورُ وجَد بيتًا، والسُّنونةُ عُشًّا لفِراخِها،
عند مذابحِك يا ربَّ الجنود، يا ملِكي وإلهي.طوبى للساكنينَ في بيتِك، أبدًا يُسبِّحونك.
طوبى لقومٍ عِزُّهم بك، طرُقُ بيتِك في قلوبِهم،
يعبُرونَ في وادي البكاءِ فيجعلونَه عيونًا،
ويسيرونَ من قوّةٍ إلى قوّة.فإنّ يومًا واحدًا في دُورِك خيرٌ من ألف،
واخترتُ الوقوفَ على عتبةِ بيتِ ربّي على أن أسكُنَ في خيامِ الظالمين.فإنّ اللهَ شمسٌ ومِجَنّ، يُعطي الرحمةَ والكرامة،
ولا يمنَعُ خيرًا عن السالكينَ بالاستقامة.يا ربَّ الجنود، طوبى لمن توكَّل عليك.
ما أحلى مساكنك يا ربّ الجنود!
تشتاق بل تتوق نفسي إلى ديار الربّ.
قلبي ولحمي يهتفان بالإله الحيّ.العصفور أيضا وجد بيتا، والسنونة عشّا لنفسها حيث تضع أفراخها،
مذابحك يا ربّ الجنود، ملكي وإلهي.طوبى للساكنين في بيتك، أبدا يسبّحونك.
طوبى لأناس عزّهم بك. طرق بيتك في قلوبهم.
عابرين في وادي البكاء يصيّرونه ينبوعا،
يذهبون من قوّة إلى قوّة.لأنّ يوما واحدا في ديارك خير من ألف.
اخترت الوقوف على العتبة في بيت إلهي على السكن في خيام الأشرار.لأنّ الربّ الله شمس ومجنّ. الربّ يعطي رحمة ومجدا.
لا يمنع خيرا عن السالكين بالكمال.يا ربّ الجنود، طوبى للإنسان المتّكل عليك.
١٦. المزمور التسعونيُقال معًا
يا اللهُ، ملجأً كنتَ لنا في كلِّ جيل.
من قبلِ أن تُولَدَ الجبال، أو تُبدِئَ الأرضَ والمسكونة،
من الأزلِ إلى الأبدِ أنت الله.تردُّ الإنسانَ إلى الترابِ وتقول: ارجِعوا يا بني آدم.
فإنّ ألفَ سنةٍ عندك كيومِ أمسِ بعدما عبَر، وكهَزيعٍ من الليل.جرفتَهم فكانوا كنومةٍ، وبالغداةِ كعُشبٍ يزول:
بالغداةِ يُزهِرُ فيمضي، وعند المساءِ يُجَزُّ فييبَس.جعلتَ آثامَنا أمامك، وخفايانا في ضوءِ وجهك،
فانقضت أيّامُنا كلُّها، وأفنَينا سنينَنا كقِصّة.أيّامُ سنينا سبعون، وإن كانت مع القوّةِ فثمانون،
وأكثرُها تعبٌ وبليّة، فإنّها تعبُرُ سريعًا ونحن نطير.فعلِّمنا أن نُحصيَ أيّامَنا، لنُؤتى قلبًا حكيمًا.
ارجِعْ يا اللهُ إلينا، وترحَّمْ على عبادك.
أشبِعْنا بالغداةِ من رحمتك، فنُرنّمَ ونفرحَ أيّامَنا كلَّها.
يا ربّ، ملجأ كنت لنا في دور فدور.
من قبل أن تولد الجبال، أو أبدأت الأرض والمسكونة،
منذ الأزل إلى الأبد أنت الله.ترجع الإنسان إلى الغبار وتقول: ارجعوا يا بني آدم.
لأنّ ألف سنة في عينيك مثل يوم أمس بعدما عبر، وكهزيع من الليل.جرفتهم. كسنة يكونون. بالغداة كعشب يزول:
بالغداة يزهر فيزول. عند المساء يجزّ فييبس.قد جعلت آثامنا أمامك، خفيّاتنا في ضوء وجهك.
لأنّ كلّ أيّامنا قد انقضت برجزك. أفنينا سنينا كقصّة.أيّام سنينا هي سبعون سنة، وإن كانت مع القوّة فثمانون سنة،
وأفخرها تعب وبليّة، لأنّها تقرض سريعا فنطير.إحصاء أيّامنا هكذا علّمنا فنؤتى قلب حكمة.
ارجع يا ربّ. حتّى متى؟ وترأّف على عبيدك.
أشبعنا بالغداة من رحمتك، فنبتهج ونفرح كلّ أيّامنا.
١٧. المزمور الحادي والتسعونيُقال معًا
الساكنُ في سِتْرِ العليِّ، يبيتُ في ظِلِّ القدير.
أقولُ لله: ملجئي وحِصني، إلهي عليه أتوكّل.فإنّه يُنجّيك من فخِّ الصيّاد، ومن الوباءِ المُهلِك.
بجناحِه يُظلِّلُك، وتحتَ كَنَفِه تحتمي،
جُنّةٌ ومِجَنٌّ أمانتُه.لا تخافُ من فزعِ الليل، ولا من سهمٍ يطيرُ بالنهار،
ولا من وباءٍ يسري في الظلام، ولا من هلاكٍ يُفسِدُ في الظهيرة.
يسقُطُ عن يمينِك ألف، وعن شمالِك ألوف، وإليك لا يصِل.فإنّك جعلتَ اللهَ ملجأك، والعليَّ مأواك.
لا يُصيبُك سوء، ولا تدنو نازلةٌ من رَحلِك.
فإنّه يوصي ملائكتَه بك، ليحفظوك في كلِّ سُبُلِك،
على أيديهم يحملونك، لئلّا تصدِمَ بحجرٍ رِجلَك.قال الله: لأنّه تعلَّقَ بي أُنجّيه، وأرفعُه لأنّه عرَفَ اسمي.
يدعوني فأستجيبُ له، معه أنا في الضيق،
أُنقِذُه وأُكرِمُه، وطولَ الأيّامِ أُشبِعُه، وأُريه نجاتي.
اَلسَّاكِنُ فِي سِتْرِ الْعَلِيِّ، فِي ظِلِّ الْقَدِيرِ يَبِيتُ.
أَقُولُ لِلرَّبِّ: مَلْجَإِي وَحِصْنِي. إِلهِي فَأَتَّكِلُ عَلَيْهِ.لأَنَّهُ يُنَجِّيكَ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِ وَمِنَ الْوَبَإِ الْخَطِرِ.
بِخَوَافِيهِ يُظَلِّلُكَ، وَتَحْتَ أَجْنِحَتِهِ تَحْتَمِي. تُرْسٌ وَمِجَنٌّ حَقُّهُ.لاَ تَخْشَى مِنْ خَوْفِ اللَّيْلِ، وَلاَ مِنْ سَهْمٍ يَطِيرُ فِي النَّهَارِ،
وَلاَ مِنْ وَبَإٍ يَسْلُكُ فِي الدُّجَى، وَلاَ مِنْ هَلاَكٍ يُفْسِدُ فِي الظَّهِيرَةِ.
يَسْقُطُ عَنْ جَانِبِكَ أَلْفٌ وَرَبَوَاتٌ عَنْ يَمِينِكَ. إِلَيْكَ لاَ يَقْرُبُ.لأَنَّكَ قُلْتَ: أَنْتَ يَا رَبُّ مَلْجَإِي. جَعَلْتَ الْعَلِيَّ مَسْكَنَكَ،
لاَ يُلاَقِيكَ شَرٌّ، وَلاَ تَدْنُو ضَرْبَةٌ مِنْ خَيْمَتِكَ.
لأَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ.
عَلَى الأَيْدِي يَحْمِلُونَكَ لِئَلاَّ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ.لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِي أُنَجِّيهِ. أُرَفِّعُهُ لأَنَّهُ عَرَفَ اسْمِي.
يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ. مَعَهُ أَنَا فِي الضِّيقِ. أُنْقِذُهُ وَأُمَجِّدُهُ.
مِنْ طُولِ الأَيَّامِ أُشْبِعُهُ، وَأُرِيهِ خَلاَصِي.
١٨. المزمور المئةيُقال معًا
اهتِفي للهِ يا كلَّ الأرض.
اعبُدوا اللهَ بفرَح، وادخُلوا إلى حضرتِه بترنُّم.اعلَموا أنّه هو اللهُ لا إلهَ غيرُه.
هو خلَقَنا، ونحن له، عبادُه وغنَمُ مرعاه.ادخُلوا أبوابَه بالحمد، ودُورَه بالتسبيح.
احمَدوه وبارِكوا اسمَه،
فإنّ اللهَ صالح، ورحمتُه إلى الأبد، وأمانتُه في كلِّ جيل.
اهتفّي للربّ يا كلّ الأرض.
اعبدوا الربّ بفرح. ادخلوا إلى حضرته بترنّم.اعلموا أنّ الربّ هو الله.
هو صنعنا، وله نحن شعبه وغنم مرعاه.ادخلوا أبوابه بحمد، ودياره بالتسبيح.
احمدوه، باركوا اسمه،
لأنّ الربّ صالح. إلى الأبد رحمته، وإلى دور فدور أمانته.
١٩. المزمور الثالث بعد المئةيُقال معًا
بارِكي يا نفسي الله، وكلُّ ما في باطني اسمَه القدّوس.
بارِكي يا نفسي الله، ولا تنسَي شيئًا من حسناته:الذي يغفرُ ذنوبَك كلَّها، ويشفي أسقامَك كلَّها،
الذي يفدي من الحُفرةِ حياتَك، ويُكلِّلُك بالرحمةِ والرأفة،
الذي يُشبِعُ بالخيرِ عُمرَك، فيتجدَّدُ كالنَّسرِ شبابُك.اللهُ يُجري العدلَ والقضاءَ لجميعِ المظلومين.
عرَّف موسى طُرقَه، وبني إسرائيلَ أفعالَه.اللهُ رحيمٌ حنّان، حليمٌ كثيرُ الرحمة.
لا يُخاصمُ إلى الأبد، ولا يحقِدُ إلى الدهر.
لم يُعامِلْنا بخطايانا، ولم يُجازِنا بآثامنا.فكارتفاعِ السماواتِ فوق الأرضِ عظُمَت رحمتُه على من اتَّقاه،
وكبُعدِ المشرقِ من المغربِ أبعَدَ عنّا معاصيَنا.
وكما يرحمُ الوالدُ ولدَه، يرحمُ اللهُ من اتَّقاه،
لأنّه يعلمُ جِبِلَّتَنا، ويذكرُ أنّا ترابٌ نحن.الإنسانُ كالعُشبِ أيّامُه، وكزهرِ الحقلِ يُزهِر،
تعبُرُ عليه ريحٌ فلا يكون، ولا يعرِفُ موضعَه بعدُ أحد.
أمّا رحمةُ اللهِ فمن الأزلِ إلى الأبدِ على من اتَّقاه، وعدلُه لأبناءِ الأبناء،
للذين يحفظونَ عهدَه، ويذكرونَ وصاياه ليعملوا بها.اللهُ في السماءِ ثبَّت عرشَه، ومُلكُه على كلِّ شيء.
بارِكوا اللهَ يا ملائكتَه، الأقوياءَ القادرين، العاملينَ بأمرِه، السامعينَ لقولِه.
بارِكوا اللهَ يا جميعَ جنودِه، خُدّامَه العاملينَ مرضاته.
بارِكوا اللهَ يا جميعَ أعمالِه في كلِّ مواضعِ سلطانه.
بارِكي يا نفسي الله.
باركي يا نفسي الربّ، وكلّ ما في باطني ليبارك اسمه القدّوس.
باركي يا نفسي الربّ ولا تنسي كلّ حسناته.الذي يغفر جميع ذنوبك. الذي يشفي كلّ أمراضك.
الذي يفدي من الحفرة حياتك. الذي يكلّلك بالرحمة والرأفة.
الذي يشبع بالخير عمرك فيتجدّد كالنسر شبابك.الربّ مجري العدل والقضاء لجميع المظلومين.
عرّف موسى طرقه، وبني إسرائيل أفعاله.الربّ رحيم ورؤوف، طويل الروح وكثير الرحمة.
لا يحاكم إلى الأبد، ولا يحقد إلى الدهر.
لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا حسب آثامنا.لأنّه مثل ارتفاع السماوات فوق الأرض قويت رحمته على خائفيه.
كبعد المشرق من المغرب أبعد عنّا معاصينا.
كما يترأّف الأب على البنين يترأّف الربّ على خائفيه.
لأنّه يعرف جبلتنا. يذكر أنّنا تراب نحن.الإنسان مثل العشب أيّامه. كزهر الحقل كذلك يزهر.
لأنّ ريحًا تعبر عليه فلا يكون، ولا يعرفه موضعه بعد.
أمّا رحمة الربّ فإلى الدهر والأبد على خائفيه، وعدله على بني البنين،
لحافظي عهده وذاكري وصاياه ليعملوها.الربّ في السماوات ثبّت كرسيّه، وملكوته يسود على الكلّ.
باركوا الربّ يا ملائكته المقتدرين قوّة، الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه.
باركوا الربّ يا جميع جنوده، خدّامه العاملين مرضاته.
باركوا الربّ يا جميع أعماله، في كلّ مواضع سلطانه.
باركي يا نفسي الربّ.
٢٠. المزمور الحادي والعشرون بعد المئةيُقال معًا
أرفعُ عينيَّ إلى الجبال، من أينَ يأتيني العون؟
عوني من عندِ الله، فاطرِ السماواتِ والأرض.لا يَدَعُ قدمَك تزِلّ، ولا ينامُ حافظُك.
لا تأخذه سِنَةٌ ولا نَوْم، حافظُ إسرائيل.اللهُ حافظُك، اللهُ ظِلٌّ عن يمينِك.
لا تضرِبُك الشمسُ بالنهار، ولا القمرُ بالليل.اللهُ يحفظُك من كلِّ سوء، يحفظُ نفسَك.
اللهُ يحفظُ خروجَك ودخولَك، من الآنَ وإلى آخِرِ الدهر.
أَرْفَعُ عَيْنَيَّ إِلَى الْجِبَالِ، مِنْ حَيْثُ يَأْتِي عَوْنِي.
مَعُونَتِي مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ، صَانِعِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.لاَ يَدَعُ رِجْلَكَ تَزِلُّ. لاَ يَنْعَسُ حَافِظُكَ.
إِنَّهُ لاَ يَنْعَسُ وَلاَ يَنَامُ حَافِظُ إِسْرَائِيلَ.الرَّبُّ حَافِظُكَ. الرَّبُّ ظِلٌّ لَكَ عَنْ يَدِكَ الْيُمْنَى.
لاَ تَضْرِبُكَ الشَّمْسُ فِي النَّهَارِ، وَلاَ الْقَمَرُ فِي اللَّيْلِ.الرَّبُّ يَحْفَظُكَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ. يَحْفَظُ نَفْسَكَ.
الرَّبُّ يَحْفَظُ خُرُوجَكَ وَدُخُولَكَ مِنَ الآنَ وَإِلَى الدَّهْرِ.
٢١. المزمور الثلاثون بعد المئةيُقال معًا
من الأعماقِ دعوتُك يا الله.
يا ربِّ اسمَعْ صوتي، وأصْغِ إلى صوتِ تضرُّعي.إن كنتَ تُحصي الآثامَ يا ربِّ، فمن يقوم؟
ولكنَّ عندك المغفرة، فأنت أهلُ التقوى.انتظرتُ الله، انتظرَته نفسي، وبقولِه رجَوت.
نفسي تنتظرُ اللهَ أكثرَ من انتظارِ الحارسِ للصُّبح، الحارسِ للصُّبح.فليرجُ إسرائيلُ اللهَ، فعند اللهِ الرحمة، وعنده الفِداءُ الكثير،
وهو يفديهم من آثامِهم كلِّها.
من الأعماق صرخت إليك يا ربّ.
يا ربّ اسمع صوتي. لتكن أذناك مصغيتين إلى صوت تضرّعاتي.إن كنت تراقب الآثام يا ربّ، يا سيّد فمن يقف؟
لأنّ عندك المغفرة لكي يخاف منك.انتظرت الربّ. انتظرت نفسي، وبكلامه رجوت.
نفسي تنتظر الربّ أكثر من المراقبين الصبح، أكثر من المراقبين الصبح.ليرج إسرائيل الربّ، لأنّ عند الربّ الرحمة وعنده فداء كثير.
وهو يفدي إسرائيل من كلّ آثامه.
٢٢. المزمور التاسع والثلاثون بعد المئةيُقال معًا
اللهمَّ، قد سبَرْتَني وعرَفتني.
أنت تعلمُ قعودي وقيامي، وتفهمُ فِكري من بعيد.
تُحيطُ بمَسلَكي ومَرقَدي، وكلُّ سُبُلي لديك معلومة.
فما في لساني كلمةٌ إلّا وأنت تعلمُها كلَّها.من خلفي ومن أمامي أحطتَني، ووضعتَ عليَّ يدَك.
عجيبٌ هذا العلمُ فوقي، ارتفعَ فلا أبلُغُه.أينَ أذهبُ من روحِك؟ وأينَ أفِرُّ من وجهِك؟
إن صعِدتُ إلى السماءِ فأنت هناك، وإن فرَشتُ في الثرى فأنت هناك.
إن أخذتُ أجنحةَ السَّحَر، وسكنتُ في أقاصي البحر،
فهناك أيضًا تهديني يدُك، وتُمسِكُني يمينُك.وإن قلتُ: إنّما الظلامُ يَغشاني، فالليلُ نورٌ حولي.
فالظلامُ عندك ليس بمُظلِم، والليلُ كالنهارِ يُضيء،
الظلامُ والنورُ عندك سواء.فإنّك أنتَ خلقتَ كُلْيَتَيَّ، ونسَجتَني في بطنِ أمّي.
أحمدُك، فإنّي خُلِقتُ خَلْقًا عجيبًا، وعجيبةٌ صنائعُك.
ما خفِيَ عنك عظمي إذ صُنِعتُ في السرّ،
رأت عيناك نُطفتي، وفي كتابِك كُتِبَت أيّامي كلُّها.اللهمَّ اسبُرني واعرِف قلبي، امتحِنّي واعرِف هواجسي،
وانظُر: هل فيَّ طريقُ سوء؟ واهدِني سبيلَ الخُلود.
يَا رَبُّ، قَدِ اخْتَبَرْتَنِي وَعَرَفْتَنِي.
أَنْتَ عَرَفْتَ جُلُوسِي وَقِيَامِي. فَهِمْتَ فِكْرِي مِنْ بَعِيدٍ.
مَسْلَكِي وَمَرْبَعِي ذَرَّيْتَ، وَكُلَّ طُرُقِي عَرَفْتَ.
لأَنَّهُ لَيْسَ كَلِمَةٌ فِي لِسَانِي، إِلاَّ وَأَنْتَ يَا رَبُّ عَرَفْتَهَا كُلَّهَا.مِنْ خَلْفٍ وَمِنْ قُدَّامٍ حَاصَرْتَنِي، وَجَعَلْتَ عَلَيَّ يَدَكَ.
عَجِيبَةٌ هذِهِ الْمَعْرِفَةُ فَوْقِي، ارْتَفَعَتْ لاَ أَسْتَطِيعُهَا.أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ؟ وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟
إِنْ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ، وَإِنْ فَرَشْتُ فِي الْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ.
إِنْ أَخَذْتُ جَنَاحَيِ الصُّبْحِ، وَسَكَنْتُ فِي أَقَاصِي الْبَحْرِ،
فَهُنَاكَ أَيْضًا تَهْدِينِي يَدُكَ وَتُمْسِكُنِي يَمِينُكَ.فَقُلْتُ: إِنَّمَا الظُّلْمَةُ تَغْشَانِي. فَاللَّيْلُ يُضِيءُ حَوْلِي.
الظُّلْمَةُ أَيْضًا لاَ تُظْلِمُ لَدَيْكَ، وَاللَّيْلُ مِثْلَ النَّهَارِ يُضِيءُ. كَالظُّلْمَةِ هكَذَا النُّورُ.لأَنَّكَ أَنْتَ اقْتَنَيْتَ كُلْيَتَيَّ. نَسَجْتَنِي فِي بَطْنِ أُمِّي.
أَحْمَدُكَ مِنْ أَجْلِ أَنِّي قَدِ امْتَزْتُ عَجَبًا. عَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ.
لَمْ تَخْتَفِ عَنْكَ عِظَامِي حِينَمَا صُنِعْتُ فِي الْخَفَاءِ.
رَأَتْ عَيْنَاكَ أَعْضَائِي، وَفِي سِفْرِكَ كُلُّهَا كُتِبَتْ.اِخْتَبِرْنِي يَا اللهُ وَاعْرِفْ قَلْبِي. امْتَحِنِّي وَاعْرِفْ أَفْكَارِي.
وَانْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقٌ بَاطِلٌ، وَاهْدِنِي طَرِيقًا أَبَدِيًّا.
٢٣. المزمور الخامس والأربعون بعد المئةيُقال معًا
أرفعُك يا إلهي، وأُبارِكُ اسمَك إلى الأبد.
في كلِّ يومٍ أُبارِكُك، وأُسبِّحُ اسمَك إلى الأبد.
عظيمٌ هو اللهُ وحميدٌ جدًّا، وليس لعظمتِه استقصاء.جيلٌ إلى جيلٍ يمدَحُ أعمالَك، وبجبروتِك يُخبِرون.
بجلالِ مجدِك وبهائِك وعجائبِك أُحدِّث،
ويقولونَ بقوّةِ مخاوفِك، وأنا بعظمتِك أُحدِّث.
ذِكرَ كثرةِ صلاحِك يُبدون، وبعدلِك يُرنِّمون.اللهُ حنّانٌ رحيم، حليمٌ كثيرُ الرحمة.
اللهُ صالحٌ للكلّ، ورحمتُه على جميعِ خلقِه.يحمَدُك يا اللهُ كلُّ خلقِك، ويُبارِكُك أولياؤك،
بمجدِ مُلكِك يُخبِرون، وبجبروتِك يتكلَّمون،
ليُعرِّفوا بني آدمَ قدرتَه، ومجدَ جلالِ مُلكِه.
مُلكُك مُلكُ كلِّ الدهور، وسلطانُك في كلِّ جيل.اللهُ يعضُدُ كلَّ الساقطين، ويُقيمُ كلَّ المنحنين.
أعينُ الكلِّ إيّاك ترجو، وأنت تُعطيهم طعامَهم في حينِه،
تبسُطُ يدَك فتُشبِعُ كلَّ حيٍّ رِضًى.اللهُ عادلٌ في طُرقِه كلِّها، رحيمٌ في أعمالِه كلِّها.
اللهُ قريبٌ من كلِّ من دعاه، من كلِّ من دعاه بالحقّ.
يقضي حاجةَ من اتَّقاه، ويسمعُ تضرُّعَهم فيُنجّيهم.
يحفظُ اللهُ كلَّ من أحبَّه، ويُهلِكُ الظالمين.بحمدِ اللهِ ينطقُ فمي، وليُبارِكْ كلُّ بشرٍ اسمَه القدّوس إلى الأبد.
أرفعك يا إلهي الملك، وأبارك اسمك إلى الدهر والأبد.
في كلّ يوم أباركك، وأسبّح اسمك إلى الدهر والأبد.
عظيم هو الربّ وحميد جدًّا، وليس لعظمته استقصاء.دور إلى دور يسبّح أعمالك، وبجبروتك يخبرون.
بجلال مجد حمدك وأمور عجائبك ألهج.
بقوّة مخاوفك ينطقون، وبعظمتك أحدّث.
ذكر كثرة صلاحك يبدون، وبعدلك يرنّمون.الربّ حنّان ورحيم، طويل الروح وكثير الرحمة.
الربّ صالح للكلّ، ومراحمه على كلّ أعماله.يحمدك يا ربّ كلّ أعمالك، ويباركك أتقياؤك.
بمجد ملكك ينطقون، وبجبروتك يتكلّمون،
ليعرّفوا بني آدم قدرتك ومجد جلال ملكك.
ملكك ملك كلّ الدهور، وسلطانك في كلّ دور فدور.الربّ عاضد كلّ الساقطين، ومقوّم كلّ المنحنين.
أعين الكلّ إيّاك تترجّى، وأنت تعطيهم طعامهم في حينه.
تفتح يدك فتشبع كلّ حيّ رضى.الربّ بارّ في كلّ طرقه، ورحيم في كلّ أعماله.
الربّ قريب لكلّ الذين يدعونه، الذين يدعونه بالحقّ.
يعمل رضى خائفيه، ويسمع تضرّعهم فيخلّصهم.
يحفظ الربّ كلّ محبّيه، ويهلك جميع الأشرار.بتسبيح الربّ ينطق فمي، وليبارك كلّ بشر اسمه القدّوس إلى الدهر والأبد.
٢٤. المزمور الثامن والأربعون بعد المئةيُقال معًا
هَلِّلوا لله!هَلِّلوا لله من السماوات، هَلِّلوا له في الأعالي.
هَلِّلوا له يا جميعَ ملائكتِه، هَلِّلوا له يا جميعَ جنودِه.
هَلِّلي له يا شمسُ ويا قمر، هَلِّلي له يا كواكبَ النور.
هَلِّلي له يا سماواتِ السماوات، ويا أيّتها المياهُ فوقَ السماوات.لتُهلِّلْ لاسمِ الله، فإنّه أمرَ فبُرِئَت. قال لها: كوني، فكانت.
وأقامَها إلى الأبد، وقضى قضاءً لا يزول.هَلِّلوا لله من الأرض، أيّتها التنانينُ وكلُّ اللُّجَج،
يا نارُ وبَرَدًا، وثلجًا وضبابًا، وريحًا عاصفةً صانعةً أمرَه،
أيّتها الجبالُ وكلُّ الآكام، والشجرُ المُثمِرُ وكلُّ الأَرْز،
أيّتها الوحوشُ وكلُّ البهائم، والدوابُّ والطيرُ ذواتُ الأجنحة،
يا ملوكَ الأرضِ وكلَّ الشعوب، يا رؤساءَ وكلَّ قضاةِ الأرض،
أيّها الفتيانُ والبَتولات، أيّها الشيوخُ مع الغِلمان،لتُهلِّلْ لاسمِ الله، فإنّ اسمَه وحدَه هو الأعلى،
جلالُه فوقَ الأرضِ والسماء.هَلِّلوا لله!
سَبِّحُوا الرَّبَّ.سَبِّحُوا الرَّبَّ مِنَ السَّمَاوَاتِ. سَبِّحُوهُ فِي الأَعَالِي.
سَبِّحُوهُ يَا جَمِيعَ مَلاَئِكَتِهِ. سَبِّحُوهُ يَا كُلَّ جُنُودِهِ.
سَبِّحِيهِ يَا أَيَّتُهَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ. سَبِّحِيهِ يَا جَمِيعَ كَوَاكِبِ النُّورِ.
سَبِّحِيهِ يَا سَمَاءَ السَّمَاوَاتِ، وَيَا أَيَّتُهَا الْمِيَاهُ الَّتِي فَوْقَ السَّمَاوَاتِ.لِتُسَبِّحِ اسْمَ الرَّبِّ، لأَنَّهُ أَمَرَ فَخُلِقَتْ.
وَثَبَّتَهَا إِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ، وَضَعَ لَهَا حَدًّا فَلَنْ تَتَعَدَّاهُ.سَبِّحِي الرَّبَّ مِنَ الأَرْضِ، يَا أَيَّتُهَا التَّنَانِينُ وَكُلَّ اللُّجَجِ.
اَلنَّارُ وَالْبَرَدُ، الثَّلْجُ وَالضَّبَابُ، الرِّيحُ الْعَاصِفَةُ الصَّانِعَةُ كَلِمَتَهُ،
الْجِبَالُ وَكُلُّ الآكَامِ، الشَّجَرُ الْمُثْمِرُ وَكُلُّ الأَرْزِ،
الْوُحُوشُ وَكُلُّ الْبَهَائِمِ، الدَّبَّابَاتُ وَالطُّيُورُ ذَوَاتُ الأَجْنِحَةِ،
مُلُوكُ الأَرْضِ وَكُلُّ الشُّعُوبِ، الرُّؤَسَاءُ وَكُلُّ قُضَاةِ الأَرْضِ،
الأَحْدَاثُ وَالْعَذَارَى أَيْضًا، الشُّيُوخُ مَعَ الْفِتْيَانِ،لِيُسَبِّحُوا اسْمَ الرَّبِّ، لأَنَّهُ قَدْ تَعَالَى اسْمُهُ وَحْدَهُ.
مَجْدُهُ فَوْقَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ.سَبِّحُوا الرَّبَّ.
٢٥. المزمور الخمسون بعد المئةيُقال معًا
سبِّحوا اللهَ في مقامِ قُدسِه، سبِّحوه في فلَكِ قوّتِه.
سبِّحوه على جبروتِه، سبِّحوه على كثرةِ عظمتِه.سبِّحوه بصوتِ البوق، سبِّحوه بالعُودِ والقيثار،
سبِّحوه بالدُّفِّ والرَّقص، سبِّحوه بالأوتارِ والمِزمار،
سبِّحوه بالصُّنوجِ الطيّبةِ الصوت.كلُّ نَسَمةٍ فلتُسبِّحِ الله.
سبّحوا الله في قدسه. سبّحوه في فلك قوّته.
سبّحوه على قواته. سبّحوه حسب كثرة عظمته.سبّحوه بصوت الصور. سبّحوه برباب وعود.
سبّحوه بدفّ ورقص. سبّحوه بأوتار ومزمار.
سبّحوه بصنوج التصويت. سبّحوه بصنوج الهتاف.كلّ نسمة فلتسبّح الربّ. هللويا.
٢٦. نشيد زكريّايُقال معًا
تباركَ اللهُ ربُّ إسرائيل، فقد افتقدَ قومَه ونجّاهم،
وأقام لنا عِزًّا من بيتِ داودَ عبدِه،
كما وعدَ على ألسنةِ أنبيائِه القدّيسينَ منذ الدهر.نجاةً من أعدائِنا ومن أيدي مُبغِضينا،
رحمةً بآبائِنا، وذِكرى لعهدِه المقدّس،
القسَمِ الذي أقسمَ لإبراهيمَ خليلِه:أن يُنقِذَنا من أيدي أعدائِنا، فنعبدَه غيرَ خائفين،
في بِرٍّ وتقوى بين يديه كلَّ أيّامِنا.وأنتَ يا غلامُ، نبيَّ العليِّ تُدعى،
فإنّك تسبِقُ بين يدَي الله لتُهيّئَ سُبُلَه،
وتُعلِّمَ قومَه النجاةَ بمغفرةِ ذنوبِهم،
برحمةِ ربِّنا التي بها يفتقِدُنا نورٌ من العُلى،
ليُضيءَ للقاعدينَ في الظلمةِ وظِلِّ الموت،
ويهديَ أقدامَنا سبيلَ السلام.
مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّهُ افْتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ،
وَأَقَامَ لَنَا قَرْنَ خَلاَصٍ فِي بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ،
كَمَا تَكَلَّمَ بِفَمِ أَنْبِيَائِهِ الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ هُمْ مُنْذُ الدَّهْرِ،خَلاَصٍ مِنْ أَعْدَائِنَا وَمِنْ أَيْدِي جَمِيعِ مُبْغِضِينَا،
لِيَصْنَعَ رَحْمَةً مَعَ آبَائِنَا وَيَذْكُرَ عَهْدَهُ الْمُقَدَّسَ،
الْقَسَمَ الَّذِي حَلَفَ لإِبْرَاهِيمَ أَبِينَا:أَنْ يُعْطِيَنَا إِنَّنَا بِلاَ خَوْفٍ، مُنْقَذِينَ مِنْ أَيْدِي أَعْدَائِنَا،
نَعْبُدُهُ بِقَدَاسَةٍ وَبِرّ قُدَّامَهُ جَمِيعَ أَيَّامِ حَيَاتِنَا.وَأَنْتَ أَيُّهَا الصَّبِيُّ، نَبِيَّ الْعَلِيِّ تُدْعَى،
لأَنَّكَ تَتَقَدَّمُ أَمَامَ وَجْهِ الرَّبِّ لِتُعِدَّ طُرُقَهُ،
لِتُعْطِيَ شَعْبَهُ مَعْرِفَةَ الْخَلاَصِ بِمَغْفِرَةِ خَطَايَاهُمْ،
بِأَحْشَاءِ رَحْمَةِ إِلهِنَا الَّتِي بِهَا افْتَقَدَنَا الْمُشْرِقُ مِنَ الْعَلاَءِ،
لِيُضِيءَ عَلَى الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ وَظِلاَلِ الْمَوْتِ،
لِكَيْ يَهْدِيَ أَقْدَامَنَا فِي طَرِيقِ السَّلاَمِ.
٢٧. موعظة الجبليُقال معًا
ولمّا رأى الجموعَ صعِدَ الجبل، فلمّا جلس دنا إليه تلاميذُه، ففتح فاه وعلّمهم فقال:أنتم مِلحُ الأرض. فإن فسدَ المِلحُ فبمَ يُملَّح؟ لا يصلُحُ بعدُ لشيءٍ إلّا أن يُطرحَ ويُداسَ.
أنتم نورُ العالم. لا تخفى مدينةٌ على جبل، ولا يُوقَدُ سراجٌ ليُوضَعَ تحت مِكيال، بل على منارةٍ فيُضيءَ لمن في البيت.
فليُضِئْ نورُكم للناس، ليَرَوا أعمالَكم الحسنةَ فيحمدوا ربَّكم.لا تحسَبوا أنّي جئتُ لأنقُضَ التوراةَ والأنبياء. ما جئتُ لأنقُض بل لأُتِمّ.
فالحقَّ أقولُ لكم: لا يزولُ من التوراةِ حرفٌ ولا نقطةٌ حتّى يتمَّ كلُّه.
فمن نقَضَ وصيّةً من أصغرِها وعلّم الناسَ ذلك، فهو أصغرُ في الملكوت.
ومن عمِل بها وعلّمها، فهو عظيمٌ في الملكوت.سمعتم أنّه قيل للأوّلين: لا تقتُل، ومن قتَل يستوجبُ الحكم.
وأنا أقولُ لكم: من غضِبَ على أخيه استوجب الحكم، ومن قال لأخيه: يا حقير، استوجب المجلس، ومن قال: يا أحمق، استوجب نارَ جهنّم.
فإن قرَّبتَ قربانَك وذكرتَ أنّ لأخيك عليك شيئًا، فدَعْ قربانَك واذهَبْ فصالِحْ أخاك، ثمّ تعالَ فقرِّب.
وسارِعْ إلى الصلحِ مع خصمِك ما دُمتَ معه في الطريق.سمعتم أنّه قيل: لا تزنِ.
وأنا أقولُ لكم: من نظر إلى امرأةٍ يشتهيها فقد زنى بها في قلبه.
فإن كانت عينُك تُوقِعُك فاصرِفها، وإن كانت يدُك تُوقِعُك فكُفَّها. فخيرٌ لك أن تفقِدَ عضوًا من أن يُلقى بدنُك كلُّه في النار.وسمعتم أنّه قيل للأوّلين: لا تحلِف كاذبًا، بل أوفِ لله بأيمانك.
وأنا أقولُ لكم: لا تحلِفوا البتّة، لا بالسماءِ فإنّها عرشُ الله، ولا بالأرضِ فإنّها موطئُ قدميه، ولا برأسِك فإنّك لا تقدرُ أن تجعلَ شعرةً بيضاءَ أو سوداء.
بل ليكُن كلامُكم: نعم نعم، لا لا. وما زاد على ذلك فمن الشرّ.سمعتم أنّه قيل: العينُ بالعينِ والسنُّ بالسنّ.
وأنا أقولُ لكم: من لطَمَك على خدِّك الأيمنِ فحوِّل له الآخر، ومن أراد أن يُخاصِمَك ويأخذَ ثوبَك فاترُك له رداءَك، ومن سخَّرك ميلًا فاذهَب معه ميلين.
ومن سألَك فأعطِه، ومن أراد أن يستقرِضَ منك فلا تُعرِض عنه.سمعتم أنّه قيل: أحبِبْ قريبَك وأبغِضْ عدوَّك.
وأنا أقولُ لكم: أحبّوا أعداءَكم، وادعُوا لمن ظلَمكم،
فتكونوا من أولياءِ ربِّكم،
الذي يُطلِعُ شمسَه على الأشرارِ والصالحين، ويُنزِلُ مطرَه على الظالمينَ والمُحسنين.
فإن أحبَبتُم من يُحبُّكم فأيُّ فضلٍ لكم؟ أوَليس العشّارون يفعلون ذلك؟
وإن سلَّمتُم على إخوانِكم وحدَهم فماذا صنعتُم أكثرَ من غيرِكم؟
فأحسِنوا كما أنّ ربَّكم مُحسِن.واحذَروا أن تصنعوا برَّكم أمامَ الناسِ ليَرَوكم، وإلّا فلا أجرَ لكم عند ربِّكم.فإذا تصدَّقتَ فلا تُشهِر بها، كما يفعلُ المُراؤون في المجامعِ والطرقاتِ ليُمجّدَهم الناس، فقد استوفَوا أجرَهم.
بل إذا تصدَّقتَ فلا تعلَمْ شِمالُك ما تصنعُ يمينُك، فتكونَ صدقتُك في السرّ، وربُّك الذي يرى في السرِّ يجزيك.وإذا صلَّيتَ فلا تكُن كالمُرائين، يُحبّون أن يُصلّوا حيث يراهم الناس.
بل ادخُل مَخدَعَك وأغلِق عليك بابَك، وادعُ ربَّك في السرّ.
ولا تُكثِرِ القولَ كما يفعلُ الجاهلون، يحسبون أنّهم بكثرةِ الكلامِ يُستجابُ لهم،
فإنّ ربَّك يعلمُ ما تحتاجُ إليه قبل أن تسألَه.فإن غفَرتُم للناسِ زلّاتِهم غفر لكم ربُّكم، وإن لم تغفِروا لم يغفِر لكم زلّاتِكم.وإذا صُمتَ فلا تُعبِّس وجهَك كالمُرائين، يُغيّرون وجوهَهم ليَظهَرَ للناسِ صومُهم.
بل ادهُن رأسَك واغسِل وجهَك، فلا يَظهَرَ صومُك للناسِ بل لربِّك، وهو الذي يرى في السرِّ يجزيك.لا تكنِزوا لكم كنوزًا في الأرض، حيث يُفسِدُ السوسُ والصدأ وينقُبُ السارقون.
بل اكنِزوا لكم كنوزًا في الآخرة، حيث لا سوسَ ولا صدأَ ولا نقب.
فحيث يكونُ كنزُك يكونُ قلبُك.سراجُ البدنِ العين. فإن كانت عينُك سليمةً فبدنُك كلُّه نيّر، وإن كانت فاسدةً فبدنُك كلُّه مظلم.
فإن كان النورُ الذي فيك ظلامًا، فكم يكونُ الظلام.لا يقدِرُ أحدٌ أن يخدُمَ سيّدين، فإنّه يُبغِضُ أحدَهما ويُحِبُّ الآخر، أو يُلازِمُ أحدَهما ويحتقِرُ الآخر.
لا تقدِرون أن تعبُدوا اللهَ والمال.فلا تهتمّوا لأنفُسِكم بما تأكلون وما تشربون، ولا لأبدانِكم بما تلبَسون.
أليست النفسُ أفضلَ من الطعام، والبدنُ أفضلَ من اللباس؟
انظُروا إلى طيرِ السماء: لا تزرعُ ولا تحصُدُ ولا تجمعُ في مخازن، وربُّكم يرزُقُها. أفلستُم أنتم أكرمَ منها؟
ومن منكم يقدِرُ بهمِّه أن يزيدَ في عمرِه ساعةً؟
ولمَ تهتمّون باللباس؟ تأمّلوا زَنابقَ البرّيّةِ كيف تنمو: لا تكدَحُ ولا تغزِل، وأقولُ لكم إنّ سليمانَ في كلِّ مجدِه لم يلبَس كواحدةٍ منها.
فإن كان عُشبُ الحقلِ يكونُ اليومَ ويُلقى غدًا في التنّور، واللهُ يكسوه هكذا، أفلا يكسوكم أنتم؟
فلا تهتمّوا قائلين: ماذا نأكلُ وماذا نشربُ وماذا نلبَس. فإنّ ربَّكم يعلمُ حاجتَكم إلى ذلك كلِّه.
بل اطلُبوا أوّلًا ملكوتَه وبِرَّه، وهذه كلُّها تُزادُ لكم.
فلا تهتمّوا للغد، فالغدُ يهتمُّ بنفسِه. يكفي اليومَ همُّه.ولا تحكُموا على الناسِ فلا يُحكَمَ عليكم،
فبالحُكمِ الذي به تحكُمون يُحكَمُ عليكم، وبالكيلِ الذي به تكيلون يُكالُ لكم.
ولمَ تُبصِرُ القَذى في عينِ أخيك ولا تُبصِرُ الجِذعَ في عينِك؟
أخرِج أوّلًا الجِذعَ من عينِك، ثمّ تُبصِرُ فتُخرِجُ القذى من عينِ أخيك.سَلوا تُعطَوا، اطلُبوا تجِدوا، اقرَعوا يُفتَح لكم.
فكلُّ من سأل نال، ومن طلَب وجَد، ومن قرَع فُتِح له.
أفيكم من إذا سألَه ابنُه خبزًا أعطاه حجرًا؟ أو سألَه سمكةً أعطاه حيّة؟
فإن كنتم على ما فيكم تعرِفون أن تُعطوا أولادَكم عطايا حسنة، فكم بالأحرى ربُّكم يُعطي الخيرَ لمن سألَه.وكلُّ ما تُحبّون أن يفعلَه الناسُ بكم، فافعلوه أنتم بهم،
فهذا هو التوراةُ والأنبياء.ادخُلوا من البابِ الضيّق، فإنّ الطريقَ الواسعَ يُفضي إلى الهلاكِ وكثيرون يسلُكونه،
وما أضيقَ البابَ وأوعرَ الطريقَ المُفضيَ إلى الحياة، وقليلٌ من يجدونه.واحذَروا الأنبياءَ الكذبة، يأتونكم في ثيابِ الغنم وهم من داخلٍ ذئابٌ خاطفة.
من ثمارِهم تعرِفونهم. هل يُجتنى من الشوكِ عنب، أو من الحسكِ تين؟
كذلك كلُّ شجرةٍ طيّبةٍ تُثمِرُ ثمرًا طيّبًا، والشجرةُ الخبيثةُ تُثمِرُ ثمرًا خبيثًا.
فمن ثمارِهم تعرِفونهم.ليس كلُّ من يقولُ لي: يا سيّدُ يا سيّد، يدخُلُ الملكوت،
بل من يعمَلُ بمشيئةِ ربّي.
وسيقولُ لي كثيرون في ذلك اليوم: أما تنبّأنا باسمِك، وباسمِك صنعنا العجائب؟
فأقولُ لهم: ما عرَفتُكم قطُّ، اذهَبوا عنّي يا صانعي الإثم.فكلُّ من يسمعُ كلامي هذا ويعمَلُ به، يُشبِهُ رجلًا عاقلًا بنى بيتَه على الصخر.
فنزل المطرُ وجاءت السيولُ وهبّتِ الرياحُ فصدَمَت ذلك البيت، فلم يسقُط، لأنّه كان مؤسَّسًا على الصخر.
وكلُّ من يسمعُ كلامي هذا ولا يعمَلُ به، يُشبِهُ رجلًا جاهلًا بنى بيتَه على الرمل.
فنزل المطرُ وجاءت السيولُ وهبّتِ الرياحُ فصدَمَت ذلك البيت، فسقَط، وكان سقوطُه عظيمًا.فلمّا فرَغ من كلامِه بُهِتَتِ الجموعُ من تعليمِه، فإنّه كان يُعلّمُهم كمن له سلطان.
اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ.
فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِالْبُوقِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُرَاؤُونَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي الأَزِقَّةِ، لِكَيْ يُمَجَّدُوا مِنَ النَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ.
وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ،
لِكَيْ تَكُونَ صَدَقَتُكَ فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً.وَمَتَى صَلَّيْتَ فَلاَ تَكُنْ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي زَوَايَا الشَّوَارِعِ، لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ.
وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ.
وَحِينَمَا تُصَلُّونَ لاَ تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَاطِلاً كَالأُمَمِ، فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ بِكَثْرَةِ كَلاَمِهِمْ يُسْتَجَابُ لَهُمْ.
فَلاَ تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ، لأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ.وَمَتَى صُمْتُمْ فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ.
وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ،
لِكَيْ لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِمًا، بَلْ لأَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً.لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا،
لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ.
وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟
أَخْرِجْ أَوَّلاً الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ.سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ.
وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ،
لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ،
فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ.
لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟
وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْلٍ تَصْنَعُونَ؟فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ،
لأَنَّ هذَا هُوَ النَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ.
(وهنا التطويبات، وهي النصّ الرابع.) (وهنا صلاةُ السيد المسيح، وهي النصّ الثاني.)
٢٨. نشيد المحبّةيُقال معًا
لو تكلّمتُ بألسنةِ الناسِ والملائكة، وليست فيَّ محبّة،
فإنّما أنا نحاسٌ يطِنّ أو صَنْجٌ يرِنّ.
ولو كانت لي نبوّةٌ وعلِمتُ الأسرارَ كلَّها وكلَّ علم،
ولو كان لي إيمانٌ أنقُلُ به الجبال، وليست فيَّ محبّة، فلستُ شيئًا.
ولو أطعمتُ مالي كلَّه، وأسلمتُ جسدي، وليست فيَّ محبّة، فما نفعَني ذلك.المحبّةُ تصبِرُ وترفُق.
المحبّةُ لا تحسُد، ولا تفتخِر، ولا تتكبّر،
ولا تُسيء الأدب، ولا تطلُبُ ما لنفسِها،
ولا تحتدّ، ولا تُحصي السوء،
ولا تفرَحُ بالظلمِ بل تفرَحُ بالحقّ.تحتمِلُ كلَّ شيء، وتُصدِّقُ كلَّ شيء،
وترجو كلَّ شيء، وتصبِرُ على كلِّ شيء.المحبّةُ لا تسقُطُ أبدًا.
أمّا النبوّاتُ فتنقضي، والألسنةُ فتنتهي، والعلمُ فيزول.
فإنّا نعلمُ بعضًا، ونتنبّأُ بعضًا،
فإذا جاء التمامُ زال الناقص.إنّا اليومَ ننظُرُ في مرآةٍ، في لُغز،
وحينئذٍ وجهًا لوجه.
اليومَ أعلمُ بعضًا، وحينئذٍ أعرِفُ كما عُرِفت.فالثابتُ الآن ثلاثة: الإيمانُ والرجاءُ والمحبّة،
وأعظمُها المحبّة.
إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ النَّاسِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ،
فَقَدْ صِرْتُ نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ.
وَإِنْ كَانَتْ لِي نُبُوَّةٌ، وَأَعْلَمُ جَمِيعَ الأَسْرَارِ وَكُلَّ عِلْمٍ،
وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ الإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ الْجِبَالَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شَيْئًا.
وَإِنْ أَطْعَمْتُ كُلَّ أَمْوَالِي، وَإِنْ سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى أَحْتَرِقَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلاَ أَنْتَفِعُ شَيْئًا.اَلْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ.
اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ. اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ وَلاَ تَنْتَفِخُ،
وَلاَ تُقَبِّحُ، وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا،
وَلاَ تَحْتَدُّ، وَلاَ تَظُنُّ السُّوءَ،
وَلاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ.وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ،
وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا.
وَأَمَّا النُّبُوَّاتُ فَسَتُبْطَلُ، وَالأَلْسِنَةُ فَسَتَنْتَهِي، وَالْعِلْمُ فَسَيُبْطَلُ.
لأَنَّنَا نَعْلَمُ بَعْضَ الْعِلْمِ وَنَتَنَبَّأُ بَعْضَ التَّنَبُّؤِ،
وَلكِنْ مَتَى جَاءَ الْكَامِلُ فَحِينَئِذٍ يُبْطَلُ مَا هُوَ بَعْضٌ.فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ،
لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ.
اَلآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ.أَمَّا الآنَ فَيَثْبُتُ: اَلإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالْمَحَبَّةُ، هذِهِ الثَّلاَثَةُ،
وَلكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ الْمَحَبَّةُ.
هذا النصّ من رسائل بولس، وموقفُنا من لاهوته معلوم. وليس في هذا الفصل شيءٌ منه، إنّما هو خُلُقٌ محض، ولذلك أُثبت.
٢٩. الوصيّةُ العظمىيُقال معًا
سأله رجلٌ من العلماء: أيُّ الوصايا أوّلُ الكلّ؟قال: أوّلُ الوصايا: اسمَعْ يا إسرائيل، اللهُ ربُّنا، اللهُ أَحَد.
فأحبِبِ اللهَ ربَّك بكلِّ قلبِك، وبكلِّ نفسِك، وبكلِّ عقلِك، وبكلِّ قوّتِك.
هذه أوّلُ وصيّة.
والثانيةُ مثلُها: أحبِبْ قريبَك كنفسِك.
وليس وصيّةٌ أعظمَ من هاتين.فقال له العالِم: أحسنتَ يا معلّم، وبالحقِّ قلتَ إنّ اللهَ واحد، ولا آخرَ سواه.
وأن يُحِبَّه المرءُ بكلِّ قلبِه وعقلِه وقوّتِه، وأن يُحِبَّ قريبَه كنفسِه،
أفضلُ من القرابينِ كلِّها.فلمّا رآه أجاب بعقل، قال له: لستَ بعيدًا عن ملكوتِ الله.
فجاء واحدٌ من الكتبة وسمعهم يتحاورون، فلمّا رأى أنّه أجابهم حسنًا، سأله: أيّة وصيّة هي أوّل الكلّ؟فأجابه يسوع: إنّ أوّل كلّ الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل. الربّ إلهنا ربٌّ واحد.
وتحبّ الربّ إلهك من كلّ قلبك، ومن كلّ نفسك، ومن كلّ فكرك، ومن كلّ قدرتك. هذه هي الوصيّة الأولى.
وثانية مثلها هي: تحبّ قريبك كنفسك. ليس وصيّةٌ أخرى أعظم من هاتين.فقال له الكاتب: جيّدًا يا معلّم. بالحقّ قلتَ، لأنّه الله واحد وليس آخر سواه.
ومحبّته من كلّ القلب، ومن كلّ الفهم، ومن كلّ النفس، ومن كلّ القدرة، ومحبّة القريب كالنفس، هي أفضل من جميع المحرقات والذبائح.فلمّا رآه يسوع أنّه أجاب بعقل، قال له: لستَ بعيدًا عن ملكوت الله.
٣٠. الدينونةُ بالأعماليُقال معًا
إذا جُمِع الناسُ ليومِ الفصل، وميَّز اللهُ بينهم كما يُميّزُ الراعي الغنمَ من الجِداء،يقول لأصحابِ اليمين:
ادخُلوا ما أُعِدَّ لكم، فقد جُعتُ فأطعمتموني، وعطِشتُ فسقيتموني،
وكنتُ غريبًا فآويتموني، وعريانًا فكسوتموني،
ومريضًا فعُدتموني، ومحبوسًا فأتيتُم إليَّ.فيقولون: متى رأيناك جائعًا فأطعمناك، أو عطشانَ فسقيناك؟
ومتى رأيناك غريبًا فآويناك، أو عريانًا فكسوناك؟
ومتى رأيناك مريضًا أو محبوسًا فأتيناك؟فيُقال لهم: كلُّ ما صنعتموه بأحدِ هؤلاء الضعفاء، فبي صنعتموه.ويقولُ لأصحابِ الشمال:
جُعتُ فما أطعمتموني، وعطِشتُ فما سقيتموني،
وكنتُ غريبًا فما آويتموني، وعريانًا فما كسوتموني،
ومريضًا ومحبوسًا فما عُدتموني.
وكلُّ ما لم تصنعوه بأحدِ هؤلاء الضعفاء، فبي لم تصنعوه.
ومتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القدّيسين معه، فحينئذ يجلس على كرسيّ مجده.
ويجتمع أمامه جميع الشعوب، فيميّز بعضهم من بعض كما يميّز الراعي الخراف من الجداء،
فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار.ثمّ يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي، رِثوا الملكوت المعدّ لكم منذ تأسيس العالم.
لأنّي جعتُ فأطعمتموني. عطشتُ فسقيتموني. كنتُ غريبًا فآويتموني.
عريانًا فكسوتموني. مريضًا فزرتموني. محبوسًا فأتيتم إليّ.فيجيبه الأبرار حينئذ قائلين: يا ربّ، متى رأيناك جائعًا فأطعمناك، أو عطشانًا فسقيناك؟
ومتى رأيناك غريبًا فآويناك، أو عريانًا فكسوناك؟
ومتى رأيناك مريضًا أو محبوسًا فأتينا إليك؟فيجيب الملك ويقول لهم: الحقّ أقول لكم: بما أنّكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر، فبي فعلتم.ثمّ يقول أيضًا للذين عن اليسار: اذهبوا عنّي يا ملاعين إلى النار الأبديّة المعدّة لإبليس وملائكته،
لأنّي جعتُ فلم تطعموني. عطشتُ فلم تسقوني.
كنتُ غريبًا فلم تأووني. عريانًا فلم تكسوني. مريضًا ومحبوسًا فلم تزوروني.حينئذ يجيبونه هم أيضًا قائلين: يا ربّ، متى رأيناك جائعًا أو عطشانًا أو غريبًا أو عريانًا أو مريضًا أو محبوسًا ولم نخدمك؟
فيجيبهم قائلًا: الحقّ أقول لكم: بما أنّكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الأصاغر، فبي لم تفعلوا.فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبديّ والأبرار إلى حياة أبديّة.
٣١. مَثَلُ السامريّيُقال معًا
سأله رجلٌ ليمتحِنَه: ومن قريبي؟فقال: نزل رجلٌ من أورشليمَ إلى أريحا، فوقع بين اللصوص،
فجرّدوه وضربوه ومضَوا وتركوه بين حيٍّ وميّت.فاتّفق أنّ كاهنًا نزل في ذلك الطريق، فرآه فمالَ عنه ومضى.
وكذلك لاويٌّ، بلغ الموضعَ فرآه فمالَ عنه ومضى.ثمّ مرّ به رجلٌ من السامريّين، وهم قومٌ يُحتقَرون،
فرآه فرقَّ له، فدنا منه وضمَّد جراحَه وصبَّ عليها زيتًا وخمرًا،
وحمله على دابّتِه وأتى به إلى خانٍ واعتنى به.
ولمّا أصبح أخرج دينارين وأعطاهما صاحبَ الخان وقال:
اعتنِ به، وما أنفقتَ فوقَ ذلك أوفيكه عند رجوعي.فأيُّ هؤلاء الثلاثةِ تراه كان قريبًا للذي وقع بين اللصوص؟
قال: الذي رحِمَه.
قال له: فاذهَبْ واصنَع أنت كذلك.
وأمّا هو فإذ أراد أن يبرّر نفسه، قال ليسوع: ومن هو قريبي؟فأجاب يسوع: إنسان كان نازلًا من أورشليم إلى أريحا، فوقع بين لصوص، فعرّوه وجرحوه ومضوا وتركوه بين حيّ وميت.
فعرَض أنّ كاهنًا نزل في تلك الطريق، فرآه وجاز مقابله.
وكذلك لاويٌّ أيضًا، إذ صار عند المكان جاء ونظر وجاز مقابله.ولكنّ سامريًّا مسافرًا جاء إليه، ولمّا رآه تحنّن،
فتقدّم وضمّد جراحاته، وصبّ عليها زيتًا وخمرًا، وأركبه على دابّته، وأتى به إلى فندق واعتنى به.
وفي الغد لمّا مضى، أخرج دينارين وأعطاهما لصاحب الفندق، وقال له: اعتنِ به، ومهما أنفقتَ أكثر فعند رجوعي أوفيك.فأيّ هؤلاء الثلاثة ترى صار قريبًا للذي وقع بين اللصوص؟
فقال: الذي صنع معه الرحمة. فقال له يسوع: اذهب أنت أيضًا واصنع هكذا.
٣٢. الابنُ الضالّيُقال معًا
وقال: كان لرجلٍ ابنان،
فقال أصغرُهما: يا أبتِ أعطِني نصيبي من المال. فقسَم بينهما معيشتَه.وبعد أيّامٍ جمَع الأصغرُ كلَّ شيءٍ ومضى إلى بلدٍ بعيد،
وهناك بدَّد مالَه في العبث.
فلمّا أنفق كلَّ شيءٍ أصاب ذلك البلدَ جوعٌ شديد، فابتدأ يحتاج،
فذهب والتصق برجلٍ من أهلِ البلد، فأرسله إلى حقولِه يرعى الخنازير،
وكان يشتهي أن يملأ بطنَه من الخُرنوبِ الذي تأكلُه الخنازير، فلا يُعطيه أحد.فرجَع إلى نفسِه وقال:
كم أجيرٍ لأبي يفضُلُ عنه الخبز، وأنا أهلِكُ جوعًا!
أقومُ وأمضي إلى أبي وأقولُ له: يا أبتِ، أخطأتُ إلى السماءِ وإليك،
ولستُ أستحقُّ بعدُ أن أُدعى لك ابنًا، فاجعَلْني كأحدِ أُجَرائك.فقام ومضى إلى أبيه. وإذ كان بعيدًا رآه أبوه فرقَّ له،
فأسرَع إليه وعانقَه.
فقال له الابن: يا أبتِ، أخطأتُ إلى السماءِ وإليك، ولستُ أستحقُّ بعدُ أن أُدعى لك ابنًا.
فقال الأبُ لخدَمِه: أخرِجوا الحُلّةَ وألبِسوه، واجعَلوا خاتمًا في يدِه ونعلًا في رجليه،
ونأكُلْ ونفرَحْ، فإنّ ابني هذا كان ميّتًا فعاش، وكان ضالًّا فوُجِد.وكان ابنُه الأكبرُ في الحقل، فلمّا جاء ودنا من البيتِ سمع صوتًا،
فسأل أحدَ الغِلمان: ما هذا؟
قال: أخوك جاء، فصنَع أبوك طعامًا لأنّه لقيَه سالمًا.فغضِب ولم يُرِدْ أن يدخل، فخرج إليه أبوه يستعطِفُه.
فقال لأبيه: ها أنا أخدُمُك سنينَ كثيرةً وما خالفتُ لك أمرًا قطّ، وما أعطيتَني جَديًا لأفرَحَ مع أصحابي،
ولمّا جاء ابنُك هذا الذي أكل معيشتَك مع الفاجرات صنعتَ له طعامًا.فقال له: يا بنيَّ، أنت معي في كلِّ حين، وكلُّ ما لي فهو لك،
ولكن كان ينبغي أن نفرَح، فإنّ أخاك هذا كان ميّتًا فعاش، وكان ضالًّا فوُجِد.
وقال: إنسان كان له ابنان.
فقال أصغرهما لأبيه: يا أبي أعطني القسم الذي يصيبني من المال. فقسم لهما معيشته.وبعد أيّام ليست بكثيرة جمع الابن الأصغر كلّ شيء وسافر إلى كورة بعيدة،
وهناك بذّر ماله بعيش مسرف.
فلمّا أنفق كلّ شيء، حدث جوع شديد في تلك الكورة، فابتدأ يحتاج.
فمضى والتصق بواحد من أهل تلك الكورة، فأرسله إلى حقوله ليرعى خنازير.
وكان يشتهي أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله، فلم يعطه أحد.فرجع إلى نفسه وقال:
كم من أجير لأبي يفضل عنه الخبز وأنا أهلك جوعا!
أقوم وأذهب إلى أبي وأقول له: يا أبي، أخطأت إلى السماء وقدّامك،
ولست مستحقّا بعد أن أدعى لك ابنا. اجعلني كأحد أجراك.فقام وجاء إلى أبيه. وإذ كان لم يزل بعيدا رآه أبوه فتحنّن،
وركض ووقع على عنقه وقبّله.
فقال له الابن: يا أبي، أخطأت إلى السماء وقدّامك، ولست مستحقّا بعد أن أدعى لك ابنا.
فقال الأب لعبيده: أخرجوا الحلّة الأولى وألبسوه، واجعلوا خاتما في يده وحذاء في رجليه،
وقدّموا العجل المسمّن واذبحوه فنأكل ونفرح،
لأنّ ابني هذا كان ميّتا فعاش، وكان ضالّا فوجد. فابتدأوا يفرحون.وكان ابنه الأكبر في الحقل. فلمّا جاء وقرب من البيت، سمع صوت آلات طرب ورقصا،
فدعا واحدا من الغلمان وسأله: ما عسى أن يكون هذا؟
فقال له: أخوك جاء فذبح أبوك العجل المسمّن لأنّه قبله سالما.فغضب ولم يرد أن يدخل. فخرج أبوه يطلب إليه.
فأجاب وقال لأبيه: ها أنا أخدمك سنين هذا عددها، وقطّ لم أتجاوز وصيّتك، وأنت لم تعطني قطّ جديا لأفرح مع أصدقائي.
ولكن لمّا جاء ابنك هذا الذي أكل معيشتك مع الزواني، ذبحت له العجل المسمّن.فقال له: يا بنيّ أنت معي في كلّ حين، وكلّ ما لي فهو لك.
ولكن كان ينبغي أن نفرح ونسرّ، لأنّ أخاك هذا كان ميّتا فعاش، وكان ضالّا فوجد.
٣٣. صلاةُ العشّاريُقال معًا
وقال هذا المثَل لقومٍ يثِقون بأنفسِهم أنّهم صالحون ويحتقِرون الناس:رجلانِ صعِدا إلى المسجدِ يُصلّيان، أحدُهما فقيهٌ والآخرُ جابي ضرائب.فأمّا الفقيهُ فوقف يُصلّي في نفسِه هكذا:
اللهمَّ أحمدُك أنّي لستُ مثلَ سائرِ الناس، الخاطفينَ الظالمينَ الزُّناة،
ولا مثلَ هذا الجابي.
أصومُ مرّتينِ في الأسبوع، وأُخرِجُ عُشرَ كلِّ ما أكسِب.وأمّا الجابي فوقف من بعيدٍ لا يجرؤ أن يرفعَ عينيه إلى السماء،
بل قرَع على صدرِه وقال:
اللهمَّ ارحَمْني، أنا الخاطئ.أقولُ لكم: إنّ هذا نزل إلى بيتِه مغفورًا له دون ذاك،
فإنّ كلَّ من رفَع نفسَه وُضِع، ومن وضَع نفسَه رُفِع.
وقال لقوم واثقين بأنفسهم أنّهم أبرار ويحتقرون الآخرين هذا المثل:إنسانان صعدا إلى الهيكل ليصلّيا، واحد فرّيسيّ والآخر عشّار.أمّا الفرّيسيّ فوقف يصلّي في نفسه هكذا:
اللهمّ أنا أشكرك أنّي لست مثل باقي الناس الخاطفين الظالمين الزناة،
ولا مثل هذا العشّار.
أصوم مرّتين في الأسبوع، وأعشّر كلّ ما أقتنيه.وأمّا العشّار فوقف من بعيد لا يشاء أن يرفع عينيه نحو السماء،
بل قرع على صدره قائلا:
اللهمّ ارحمني أنا الخاطئ.أقول لكم: إنّ هذا نزل إلى بيته مبرّرا دون ذاك،
لأنّ كلّ من يرفع نفسه يتّضع، ومن يضع نفسه يرتفع.
٣٤. الأرملةُ وفَلساهايُقال معًا
وجلس تجاه الخِزانةِ ينظرُ كيف يُلقي الناسُ فيها،
وكان أغنياءُ كثيرون يُلقونَ كثيرًا.فجاءت أرملةٌ فقيرةٌ فألقت فَلسينِ لا يُساويانِ شيئًا.فدعا أصحابَه وقال:
إنّ هذه الأرملةَ الفقيرةَ ألقت أكثرَ من جميعِ الذين ألقَوا في الخِزانة،
فإنّ الجميعَ ألقَوا من فضلِهم، وأمّا هي فمن عَوَزِها ألقت كلَّ ما عندها، كلَّ معيشتِها.
وجلس يسوع تجاه الخزانة، ونظر كيف يلقي الجمع نحاسا في الخزانة.
وكان أغنياء كثيرون يلقون كثيرا.فجاءت أرملة فقيرة وألقت فلسين، قيمتهما ربع.فدعا تلاميذه وقال لهم:
الحقّ أقول لكم: إنّ هذه الأرملة الفقيرة قد ألقت أكثر من جميع الذين ألقوا في الخزانة،
لأنّ الجميع من فضلتهم ألقوا، وأمّا هذه فمن إعوازها ألقت كلّ ما عندها، كلّ معيشتها.
٣٥. دعاءُ يونس في الظلماتيُقال معًا
دعوتُ من ضيقي اللهَ فاستجاب لي،
ومن جوفِ الهاويةِ صرختُ فسمِعتَ صوتي.طرحتَني في العُمقِ في قلبِ البحار، فأحاط بي التيّار،
وجازت فوقي أمواجُك وليجُك كلُّها.فقلتُ: طُرِدتُ من أمامِ عينيك، فكيف أعودُ أنظرُ إلى بيتِك الحرام؟
اكتنفَتني المياهُ إلى النفس، وأحاط بي الغَمر،
والتفَّ عُشبُ البحرِ برأسي.
نزلتُ إلى أُصولِ الجبال، وانغلقت الأرضُ بمَغاليقِها عليَّ إلى الأبد.فلمّا غُشِيَ على نفسي ذكرتُ الله، فبلَغَتْك صلاتي.لا إلهَ إلّا أنت، سبحانَك، إنّي كنتُ من الظالمين.فبصوتِ الحمدِ أُقرّبُ لك، وأُوفي بما نذَرت.
النجاةُ من عندِ الله.
دعوت من ضيقي الربّ فاستجابني.
صرخت من جوف الهاوية فسمعت صوتي.لأنّك طرحتني في العمق في قلب البحار، فأحاط بي نهر.
جميع تيّاراتك ولججك طمت عليّ.فقلت: قد طردت من أمام عينيك، ولكنّني أعود أنظر إلى هيكل قدسك.
قد اكتنفتني مياه إلى النفس. أحاط بي غمر.
التفّ عشب البحر برأسي.
نزلت إلى أسافل الجبال. مغاليق الأرض عليّ إلى الأبد.ثمّ أصعدت من الوهدة حياتي أيّها الربّ إلهي.
عند غشيان نفسي فيّ ذكرت الربّ، فجاءت إليك صلاتي إلى هيكل قدسك.الذين يراعون أباطيل كاذبة يتركون نعمتهم.
أمّا أنا فبصوت الحمد أذبح لك، وأوفي بما نذرته. للربّ الخلاص.
٣٦. من كلامِ أيّوبيُقال معًا
عُريانًا خرجتُ من بطنِ أمّي، وعُريانًا أعودُ إلى هناك.
اللهُ أعطى واللهُ أخذ، فليكن اسمُ اللهِ مباركًا.أنقبَلُ الخيرَ من عندِ اللهِ ولا نقبَلُ الشرّ؟ليتَ كلامي يُكتَب، ليتَه يُنقَشُ في الصخرِ إلى الأبد:
أنا أعلمُ أنّ وليّي حيّ، وأنّه في الآخرِ على الأرضِ يقوم.قد علِمتُ أنّك على كلِّ شيءٍ قدير، ولا يُعجِزُك أمر.
بسمعِ الأُذنِ قد سمعتُ عنك، والآنَ عرفتُك،
فرجعتُ وتُبتُ في الترابِ والرماد.ربِّ إنّي مسَّنيَ الضُّرُّ وأنت أرحمُ الراحمين.
عريانا خرجت من بطن أمّي، وعريانا أعود إلى هناك.
الربّ أعطى والربّ أخذ، فليكن اسم الربّ مباركا.أالخير نقبل من عند الله والشرّ لا نقبل؟ليت كلماتي الآن تكتب. يا ليتها رسمت في سفر،
ونقرت إلى الأبد في الصخر بقلم حديد وبرصاص:
أمّا أنا فقد علمت أنّ وليّي حيّ، والآخر على الأرض يقوم.قد علمت أنّك تستطيع كلّ شيء، ولا يعسر عليك أمر.
بسمع الأذن قد سمعت عنك، والآن رأتك عيني،
لذلك أرفض وأندم في التراب والرماد.
٣٧. الصومُ الذي يُرضييُقال معًا
يقولون: لِمَ صُمنا ولم تنظُر؟ وأذلَلْنا أنفسَنا ولم تُلاحِظ؟ها إنّكم في يومِ صومِكم تبتغونَ لذّتَكم، وتُرهِقونَ أُجَراءَكم.
ها إنّكم للخصومةِ والنِّزاعِ تصومون، ولتضرِبوا بلَكمةِ الظُّلم.
ما هكذا يكونُ صومٌ يُسمَعُ به صوتُكم في العلى.أمِثلُ هذا يكونُ صومًا أرتضيه؟ يومًا يُذِلُّ الإنسانُ فيه نفسَه،
ويحني كالقَصَبةِ رأسَه، ويفرِشُ تحتَه مِسحًا ورمادًا؟
أتُسمّي هذا صومًا ويومًا مقبولًا عند الله؟أليس هذا هو الصومُ الذي أرتضيه:
أن تحُلَّ قيودَ الظُّلم، وتفُكَّ عُقَدَ النِّير،
وتُطلِقَ المسحوقينَ أحرارًا، وتكسِرَ كلَّ نِير؟أليس أن تكسِرَ للجائعِ خبزَك، وتُدخِلَ المساكينَ التائهينَ بيتَك؟
وإذا رأيتَ عُريانًا أن تكسُوَه، وألّا تتغافلَ عن ذي رحِمِك؟حينئذٍ ينفجِرُ كالصبحِ نورُك، ويُسرِعُ شفاؤك،
ويسيرُ عدلُك أمامك، ويكونُ خلفَك مجدُ الله.
حينئذٍ تدعو فيستجيبُ الله، وتستغيثُ فيقول: ها أنا ذا.إن رفعتَ من وسطِك النِّيرَ والإشارةَ بالإصبعِ وكلامَ السوء،
وأنفقتَ نفسَك للجائع، وأشبعتَ النفسَ الذليلة،
أشرَق في الظلمةِ نورُك، وصار عَتَمُك كالظهيرة.
يقولون: لماذا صمنا ولم تنظر؟ ذلّلنا أنفسنا ولم تلاحظ؟ها إنّكم في يوم صومكم توجدون مسرّة، وبكلّ أشغالكم تسخّرون.
ها إنّكم للخصومة والنزاع تصومون، ولتضربوا بلكمة الشرّ.
لستم تصومون كما اليوم لتسميع صوتكم في العلاء.أمثل هذا يكون صوم أختاره؟ يوما يذلّل الإنسان فيه نفسه،
يحني كالأسلة رأسه، ويفرش تحته مسحا ورمادا.
هل تسمّي هذا صوما ويوما مقبولا للربّ؟أليس هذا صوما أختاره:
حلّ قيود الشرّ. فكّ عقد النير،
وإطلاق المسحوقين أحرارا، وقطع كلّ نير؟أليس أن تكسر للجائع خبزك، وأن تدخل المساكين التائهين إلى بيتك؟
إذا رأيت عريانا أن تكسوه، وأن لا تتغاضى عن لحمك؟حينئذ ينفجر مثل الصبح نورك، وتنبت صحّتك سريعا،
ويسير برّك أمامك، ومجد الربّ يجمع ساقتك.
حينئذ تدعو فيجيب الربّ. تستغيث فيقول: هأنذا.إن نزعت من وسطك النير والإيماء بالإصبع وكلام الإثم،
وأنفقت نفسك للجائع، وأشبعت النفس الذليلة،
يشرق في الظلمة نورك، ويكون ظلامك الدامس مثل الظهر.
٣٨. لكلِّ شيءٍ زمانيُقال معًا
لكلِّ شيءٍ زمان، ولكلِّ أمرٍ تحت السماواتِ وقت:للولادةِ وقت، وللموتِ وقت.
للغَرسِ وقت، ولقلعِ المغروسِ وقت.
للقتلِ وقت، وللشفاءِ وقت.
للهدمِ وقت، وللبناءِ وقت.
للبكاءِ وقت، وللضَّحِكِ وقت.
للنَّوحِ وقت، وللرَّقصِ وقت.
لتفريقِ الحجارةِ وقت، ولجمعِها وقت.
للمعانقةِ وقت، وللتباعُدِ عنها وقت.
للكسبِ وقت، وللخسارةِ وقت.
للحفظِ وقت، وللطَّرحِ وقت.
للتمزيقِ وقت، وللخِياطةِ وقت.
للسكوتِ وقت، وللكلامِ وقت.
للحبِّ وقت، وللبُغضِ وقت.
للحربِ وقت، وللصُّلحِ وقت.رأيتُ الشُّغلَ الذي جعله اللهُ لبني آدمَ ليشتغِلوا به:
صنَع كلَّ شيءٍ حسَنًا في وقتِه،
وجعَل الأبدَ في قلوبِهم، على أنّ الإنسانَ لا يُدرِكُ صُنعَ اللهِ من البَدءِ إلى المُنتهى.
لكلّ شيء زمان، ولكلّ أمر تحت السماوات وقت:للولادة وقت وللموت وقت.
للغرس وقت ولقلع المغروس وقت.
للقتل وقت وللشفاء وقت.
للهدم وقت وللبناء وقت.
للبكاء وقت وللضحك وقت.
للنوح وقت وللرقص وقت.
لتفريق الحجارة وقت ولجمع الحجارة وقت.
للمعانقة وقت وللتباعد عن العناق وقت.
للكسب وقت وللخسارة وقت.
للصيانة وقت وللطرح وقت.
للتمزيق وقت وللتخييط وقت.
للسكوت وقت وللتكلّم وقت.
للحبّ وقت وللبغضة وقت.
للحرب وقت وللصلح وقت.قد رأيت الشغل الذي أعطاه الله بني البشر ليشتغلوا به.
صنع الكلّ حسنا في وقته،
وأيضا جعل الأبديّة في قلبهم، التي بلاها لا يدرك الإنسان العمل الذي يعمله الله من البداية إلى النهاية.
٣٩. ختامُ الأمريُقال معًا
واذكُرْ خالقَك في أيّامِ شبابِك،
قبل أن تأتيَ الأيّامُ الصعبة، وتبلُغَ السنونَ التي تقول فيها: ما لي فيها لَذّة،
وقبل أن يرجِعَ الترابُ إلى الأرضِ كما كان، وترجِعَ الرُّوحُ إلى اللهِ الذي أعطاها.فلنَسمَعْ ختامَ الأمرِ كلِّه:
اتَّقِ اللهَ واحفَظْ وصاياه، فإنّ هذا هو الإنسانُ كلُّه.فإنّ اللهَ يُحضِرُ كلَّ عملٍ إلى الحساب، وكلَّ خفيٍّ، خيرًا كان أو شرًّا.
فاذكر خالقك في أيّام شبابك،
قبل أن تأتي أيّام الشرّ، أو تجيء السنون إذ تقول: ليس لي فيها سرور،
ويرجع التراب إلى الأرض كما كان، وترجع الروح إلى الله الذي أعطاها.فلنسمع ختام الأمر كلّه:
اتّق الله واحفظ وصاياه، لأنّ هذا هو الإنسان كلّه.لأنّ الله يحضر كلّ عمل إلى الدينونة، على كلّ خفيّ، إن كان خيرا أو شرّا.
٤٠. من رسالةِ يعقوبيُقال معًا
إن أعوَزَ أحدَكم حكمةٌ فليسألِ اللهَ الذي يُعطي الجميعَ بسَخاءٍ ولا يُعيّر، فيُعطى له.ليكن كلُّ إنسانٍ سريعًا في الاستماع، بطيئًا في الكلام، بطيئًا في الغضب،
فإنّ غضبَ الإنسانِ لا يصنعُ عدلَ الله.وكونوا عاملينَ بالكلمةِ لا سامعينَ فقط، تخدعونَ أنفسَكم.
فإنّ من سمِع الكلمةَ ولم يعمَلْ بها، فمثَلُه مثَلُ رجلٍ نظر وجهَه في مرآة،
نظَر ثمّ مضى، فنسيَ من ساعتِه كيف كان.الدِّينُ الطاهرُ النقيُّ عند اللهِ هو هذا:
افتقادُ اليتامى والأراملِ في ضِيقِهم، وأن يحفظَ المرءُ نفسَه من دنَسِ الدنيا.ما المنفعةُ يا إخوتي إن قال أحدٌ إنّ له إيمانًا وليست له أعمال؟ أيقدِرُ هذا الإيمانُ أن يُنجيَه؟
إن كان أخٌ أو أختٌ عُريانَينِ ومُعوَزَينِ للقوتِ اليوميّ،
فقال لهما أحدُكم: امضِيا بسلامٍ واستدفِئا واشبَعا، ولم تُعطوهما حاجةَ الجسد، فما المنفعة؟
هكذا الإيمانُ أيضًا، إن لم تكن له أعمالٌ فهو ميّتٌ في ذاته.واللسانُ عُضوٌ صغيرٌ ويفتخِرُ مُتعظّمًا. هوذا نارٌ قليلةٌ أيَّ وقودٍ تُحرِق!
به نُبارِكُ اللهَ، وبه نلعنُ الناسَ الذين خُلِقوا على صورةِ الله.
من الفمِ الواحدِ تخرُجُ البركةُ واللعنة. ما ينبغي يا إخوتي أن يكونَ هذا كذلك.اللهُ يُقاوِمُ المستكبرين، وأمّا المتواضعونَ فيُعطيهم فضلَه.
فاتَّضِعوا أمامَ اللهِ فيرفعَكم.وأنتم يا من تقولون: اليومَ أو غدًا نمضي إلى المدينةِ الفلانيّةِ ونتّجِرُ ونربَح،
وأنتم لا تعلمونَ ما يكونُ في غدٍ، وما حياتُكم إلّا بُخارٌ يظهرُ قليلًا ثمّ يضمحلّ،
عِوَضَ أن تقولوا: إن شاء اللهُ عِشنا وفعَلْنا هذا أو ذاك.
وإنّما إن كان أحدكم تعوزه حكمة، فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يعيّر، فسيعطى له.ليكن كلّ إنسان مسرعا في الاستماع، مبطئا في التكلّم، مبطئا في الغضب،
لأنّ غضب الإنسان لا يصنع برّ الله.ولكن كونوا عاملين بالكلمة لا سامعين فقط خادعين نفوسكم.
لأنّه إن كان أحد سامعا للكلمة وليس عاملا، فذاك يشبه رجلا ناظرا وجه خلقته في مرآة،
فإنّه نظر ذاته ومضى، وللوقت نسي ما هو.الديانة الطاهرة النقيّة عند الله الآب هي هذه:
افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم، وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم.ما المنفعة يا إخوتي إن قال أحد إنّ له إيمانا ولكن ليس له أعمال؟ هل يقدر الإيمان أن يخلّصه؟
إن كان أخ وأخت عريانين ومعتازين للقوت اليوميّ،
فقال لهما أحدكم: امضيا بسلام، استدفئا واشبعا، ولكن لم تعطوهما حاجات الجسد، فما المنفعة؟
هكذا الإيمان أيضا، إن لم يكن له أعمال ميت في ذاته.هكذا اللسان أيضا هو عضو صغير ويفتخر متعظّما. هوذا نار قليلة، أيّ وقود تحرق!
به نبارك الله الآب، وبه نلعن الناس الذين قد تكوّنوا على شبه الله.
من الفم الواحد تخرج بركة ولعنة. لا يصلح يا إخوتي أن تكون هذه الأمور هكذا.الله يقاوم المستكبرين، وأمّا المتواضعون فيعطيهم نعمة.
فاتّضعوا قدّام الربّ فيرفعكم.هلمّ الآن أيّها القائلون: نذهب اليوم أو غدا إلى هذه المدينة أو تلك، وهناك نصرف سنة واحدة ونتّجر ونربح،
أنتم الذين لا تعرفون أمر الغد. لأنّه ما هي حياتكم؟ إنّها بخار يظهر قليلا ثمّ يضمحلّ.
عوض أن تقولوا: إن شاء الربّ وعشنا نفعل هذا أو ذاك.
٤١. الابتلاءُ في البرّيّةيُقال معًا
ثمّ خرَج إلى البرّيّةِ بالرُّوحِ ليُبتَلى،
فلمّا صام أربعينَ يومًا وأربعينَ ليلةً جاع.فدنا منه المُبتلي وقال: إن كنتَ من عندِ اللهِ فقُلْ لهذه الحجارةِ أن تصيرَ خبزًا.
فأجاب: مكتوبٌ أنّ الإنسانَ لا يحيا بالخبزِ وحدَه، بل بكلِّ كلمةٍ تخرُجُ من عندِ الله.ثمّ أخذه إلى المدينةِ المقدّسة، وأوقفه على شُرفةِ المسجد، وقال:
إن كنتَ من عندِ اللهِ فألقِ بنفسِك إلى أسفل، فقد كُتِب: يُوصي بك ملائكتَه، فيحمِلونَك على أيديهم لئلّا تصطدِمَ بحجر.
قال له: وكُتِب أيضًا: لا تُجرّبِ اللهَ ربَّك.ثمّ أخذه إلى جبلٍ عالٍ جدًّا، فأراه ممالكَ الدنيا كلَّها وزينتَها، وقال:
أُعطيك هذه جميعًا إن خررتَ ساجدًا لي.فقال له: اذهَبْ يا شيطان، فقد كُتِب:
للهِ ربِّك تسجُد، وإيّاه وحدَه تعبُد.فتركه المُبتلي، وإذا ملائكةٌ قد جاءت تخدُمُه.
ثمّ أصعد يسوع إلى البرّيّة من الروح ليجرّب من إبليس.
فبعدما صام أربعين نهارا وأربعين ليلة جاع أخيرا.فتقدّم إليه المجرّب وقال له: إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزا.
فأجاب وقال: مكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله.ثمّ أخذه إبليس إلى المدينة المقدّسة وأوقفه على جناح الهيكل، وقال له:
إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل، لأنّه مكتوب: أنّه يوصي ملائكته بك، فعلى أياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك.
قال له يسوع: مكتوب أيضا: لا تجرّب الربّ إلهك.ثمّ أخذه أيضا إبليس إلى جبل عال جدّا، وأراه جميع ممالك العالم ومجدها، وقال له:
أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي.حينئذ قال له يسوع: اذهب يا شيطان، لأنّه مكتوب:
للربّ إلهك تسجد، وإيّاه وحده تعبد.ثمّ تركه إبليس، وإذا ملائكة قد جاءت فصارت تخدمه.
٤٢. لماذا تدعوني صالحًا؟يُقال معًا
وفيما هو خارجٌ إلى الطريق، أسرَع إليه رجلٌ فجثا له وسأله:
أيّها المعلّمُ الصالح، ماذا أعملُ لأرِثَ الحياةَ الباقية؟فقال له:
لماذا تدعوني صالحًا؟ ليس أحدٌ صالحًا إلّا واحد، وهو الله.أنت تعرفُ الوصايا: لا تقتُل، لا تزنِ، لا تسرِق، لا تشهَدْ بالزُّور، لا تظلِمْ أحدًا، وأكرِمْ أباك وأمَّك.
فقال له: يا معلّم، هذه كلُّها حفِظتُها منذ صِغَري.فنظَر إليه وأحبَّه وقال له:
يُعوِزُك شيءٌ واحد: امضِ فبِعْ كلَّ ما لك وأعطِ الفقراء، فيكونَ لك كنزٌ عند الله، ثمّ تعالَ اتبَعْني.فاغتمَّ لهذا القولِ ومضى حزينًا، فقد كان ذا مالٍ كثير.فنظَر حولَه وقال لأصحابه: ما أعسَرَ دخولَ أصحابِ الأموالِ إلى ملكوتِ الله!
فتعجَّبوا من كلامِه، فعاد فقال لهم:
يا أبنائي، ما أعسَرَ على المتَّكِلينَ على المالِ أن يدخُلوا ملكوتَ الله!
مرورُ الجملِ من ثَقبِ الإبرةِ أيسَرُ من أن يدخُلَ غنيٌّ ملكوتَ الله.فبُهِتوا وقالوا بينهم: فمن يستطيعُ إذًا أن ينجُوَ؟
فنظَر إليهم وقال: عند الناسِ لا يُستطاع، وأمّا عند اللهِ فكلُّ شيءٍ مستطاع.
وفيما هو خارج إلى الطريق، ركض واحد وجثا له وسأله:
أيّها المعلّم الصالح، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبديّة؟فقال له يسوع:
لماذا تدعوني صالحا؟ ليس أحد صالحا إلّا واحد وهو الله.أنت تعرف الوصايا: لا تزن. لا تقتل. لا تسرق. لا تشهد بالزور. لا تسلب. أكرم أباك وأمّك.
فأجاب وقال له: يا معلّم، هذه كلّها حفظتها منذ حداثتي.فنظر إليه يسوع وأحبّه وقال له:
يعوزك شيء واحد: اذهب بع كلّ ما لك وأعط الفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني حاملا الصليب.فاغتمّ على القول ومضى حزينا، لأنّه كان ذا أموال كثيرة.فنظر يسوع حوله وقال لتلاميذه: ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله!
فتحيّر التلاميذ من كلامه. فأجاب يسوع أيضا وقال لهم:
يا بنيّ، ما أعسر دخول المتّكلين على الأموال إلى ملكوت الله!
مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غنيّ إلى ملكوت الله.فبهتوا إلى الغاية قائلين بعضهم لبعض: فمن يستطيع أن يخلص؟
فنظر إليهم يسوع وقال: عند الناس غير مستطاع، ولكن ليس عند الله، لأنّ كلّ شيء مستطاع عند الله.
٤٣. لا يعلمُ الساعةَ إلّا اللهيُقال معًا
وأمّا ذلك اليومُ وتلك الساعةُ فلا يعلمُ بهما أحد،
ولا الملائكةُ الذين في السماء، ولا أنا، إلّا اللهُ وحدَه.فانظُروا واسهَروا وادعُوا، فإنّكم لا تعلمونَ متى يكونُ الوقت.ما تعلمونَ في أيِّ ساعةٍ يأتي أمرُ ربِّكم.
فاسهَروا إذًا، فإنّكم لا تعلمونَ متى يجيء: أمساءً أم نصفَ الليلِ أم عند صياحِ الديكِ أم صباحًا،
لئلّا يجيءَ بغتةً فيجدَكم نيامًا.
وما أقولُه لكم أقولُه للجميع: اسهَروا.
وأمّا ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد،
ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن، إلّا الآب.انظروا. اسهروا وصلّوا، لأنّكم لا تعلمون متى يكون الوقت.لأنّكم لا تعلمون في أيّة ساعة يأتي ربّكم.
اسهروا إذا، لأنّكم لا تعلمون متى يأتي صاحب البيت: أمساء، أم نصف الليل، أم صياح الديك، أم صباحا،
لئلّا يأتي بغتة فيجدكم نياما.
وما أقوله لكم أقوله للجميع: اسهروا.
٤٤. الدعاءُ في البستانيُقال معًا
وجاؤوا إلى بستانٍ اسمُه جَثسيماني، فقال لأصحابِه: اجلِسوا هاهنا حتّى أدعو.
ثمّ أخذ معه ثلاثةً، وابتدأ يدهَشُ ويكتئب، فقال لهم:
نفسي حزينةٌ جدًّا حتّى الموت. امكُثوا هاهنا واسهَروا.ثمّ تقدَّم قليلًا فخرَّ على وجهِه ساجدًا، يدعو أن تعبُرَ عنه الساعةُ إن أمكَن، وقال:يا ربِّ، كلُّ شيءٍ مستطاعٌ لك، فاصرِفْ عنّي هذه الكأس،
ولكن لا ما أُريدُ أنا، بل ما تُريدُ أنت.ثمّ جاء فوجَدهم نيامًا، فقال:
أما قدَرتم أن تسهَروا ساعةً واحدة؟
اسهَروا وادعُوا لئلّا تدخُلوا في فتنة. أمّا الرُّوحُ فراغبة، وأمّا الجسدُ فضعيف.ثمّ مضى ودعا بالكلامِ نفسِه. ثمّ عاد ثالثةً فدعا بالكلامِ نفسِه.
وجاءوا إلى ضيعة اسمها جثسيماني، فقال لتلاميذه: اجلسوا ههنا حتّى أصلّي.
ثمّ أخذ معه بطرس ويعقوب ويوحنّا، وابتدأ يدهش ويكتئب. فقال لهم:
نفسي حزينة جدّا حتّى الموت. امكثوا هنا واسهروا.ثمّ تقدّم قليلا وخرّ على الأرض، وكان يصلّي لكي تعبر عنه الساعة إن أمكن. وقال:يا أبا الآب، كلّ شيء مستطاع لك، فأجز عنّي هذه الكأس.
ولكن ليكن لا ما أريد أنا بل ما تريد أنت.ثمّ جاء ووجدهم نياما، فقال لبطرس:
يا سمعان، أنت نائم؟ أما قدرت أن تسهر ساعة واحدة؟
اسهروا وصلّوا لئلّا تدخلوا في تجربة. أمّا الروح فنشيط، وأمّا الجسد فضعيف.ومضى أيضا وصلّى قائلا ذلك الكلام بعينه. ثمّ رجع ثالثة وقال لهم ذلك الكلام بعينه.
٤٥. غَسلُ الأرجُليُقال معًا
قام عن الطعامِ وخلَع ثوبَه، وأخذ منشفةً فاتَّزر بها،
ثمّ صبَّ ماءً في مِغسَل، وابتدأ يغسِلُ أرجُلَ أصحابِه ويمسحُها بالمنشفةِ التي اتَّزر بها.فجاء إلى سمعانَ بُطرُس، فقال له: يا سيّد، أنت تغسِلُ رِجليَّ؟
قال له: ما أصنعُه أنا لستَ تعلمُه الآن، ولكنّك ستفهَمُه بعدُ.
قال له بُطرُس: لن تغسِلَ رِجليَّ أبدًا.فلمّا فرَغ من غَسلِ أرجُلِهم، ولبِس ثوبَه وجلَس، قال لهم:أتفهمونَ ما صنعتُ بكم؟
أنتم تدعونني معلّمًا وسيّدًا، وحسنًا تقولون، فأنا كذلك.
فإن كنتُ أنا السيّدَ والمعلّمَ قد غسلتُ أرجُلَكم، فعليكم أن يغسِلَ بعضُكم أرجُلَ بعض،
فقد أعطيتُكم مثالًا لتصنَعوا كما صنعتُ بكم.ليس عبدٌ أعظمَ من سيّدِه، ولا رسولٌ أعظمَ من مُرسِلِه.إن علِمتم هذا فطوباكم إن عمِلتُم به.
قام عن العشاء وخلع ثيابه، وأخذ منشفة واتّزر بها.
ثمّ صبّ ماء في مغسل، وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان متّزرا بها.فجاء إلى سمعان بطرس. فقال له ذاك: يا سيّد، أنت تغسل رجليّ؟
أجاب يسوع وقال له: لست تعلم أنت الآن ما أنا أصنع، ولكنّك ستفهم فيما بعد.
قال له بطرس: لن تغسل رجليّ أبدا.فلمّا كان قد غسل أرجلهم وأخذ ثيابه واتّكأ أيضا، قال لهم:أتفهمون ما قد صنعت بكم؟
أنتم تدعونني معلّما وسيّدا، وحسنا تقولون لأنّي أنا كذلك.
فإن كنت وأنا السيّد والمعلّم قد غسلت أرجلكم، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض،
لأنّي أعطيتكم مثالا، حتّى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضا.الحقّ الحقّ أقول لكم: إنّه ليس عبد أعظم من سيّده، ولا رسول أعظم من مرسله.إن علمتم هذا فطوباكم إن عملتموه.
٤٦. أنا نورُ العالميُقال معًا
أنا نورُ العالم.
من يتبَعْني فلا يمشي في الظلمة، بل يكون له نورُ الحياة.ما دُمتُ في العالم فأنا نورُ العالم.النورُ معكم زمانًا قليلًا بعدُ، فامشُوا ما دام لكم النور، لئلّا يُدرِكَكم الظلام،
والذي يمشي في الظلام لا يدري أين يذهب.
فما دام لكم النورُ آمِنوا بالنور، لتكونوا من أهلِ النور.جئتُ نورًا إلى العالم، فمن آمَن بي لم يمكُثْ في الظلمة.
ثمّ كلّمهم يسوع أيضا قائلا: أنا هو نور العالم.
من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة.ما دمت في العالم فأنا نور العالم.النور معكم زمانا قليلا بعد. فسيروا ما دام لكم النور لئلا يدرككم الظلام.
والذي يسير في الظلام لا يعلم إلى أين يذهب.
ما دام لكم النور آمنوا بالنور لتصيروا أبناء النور.أنا قد جئت نورا إلى العالم حتّى كلّ من يؤمن بي لا يمكث في الظلمة.
٤٧. إلّا أن تصيروا مثلَ الأطفاليُقال معًا
وقدَّموا إليه أطفالًا ليلمَسَهم، فانتهَرهم أصحابُه.
فلمّا رأى ذلك اغتاظ وقال لهم:
دَعوا الأطفالَ يأتونَ إليّ ولا تمنَعوهم، فإنّ لمثلِ هؤلاء ملكوتَ الله.
من لم يقبَلْ ملكوتَ اللهِ مثلَ طفلٍ فلن يدخُلَه.
ثمّ احتضَنَهم ووضَع يديه عليهم وبارَكَهم.وسألوه: من هو الأعظمُ في ملكوتِ الله؟
فدعا طفلًا وأقامه في وسطِهم وقال:
إن لم ترجِعوا فتصيروا مثلَ الأطفالِ فلن تدخُلوا ملكوتَ الله.
فمن وضَع نفسَه مثلَ هذا الطفلِ فهو الأعظم.ومن قبِل طفلًا واحدًا مثلَ هذا باسمي فقد قبِلَني.
وقدّموا إليه أولادا لكي يلمسهم، وأمّا التلاميذ فانتهروا الذين قدّموهم.
فلمّا رأى يسوع ذلك اغتاظ وقال لهم:
دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم، لأنّ لمثل هؤلاء ملكوت الله.
الحقّ أقول لكم: من لا يقبل ملكوت الله مثل ولد فلن يدخله.
فاحتضنهم ووضع يديه عليهم وباركهم.في تلك الساعة تقدّم التلاميذ إلى يسوع قائلين: فمن هو أعظم في ملكوت السماوات؟
فدعا يسوع إليه ولدا وأقامه في وسطهم وقال:
الحقّ أقول لكم: إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات.
فمن وضع نفسه مثل هذا الولد فهو الأعظم في ملكوت السماوات.ومن قبل ولدا واحدا مثل هذا باسمي فقد قبلني.
٤٨. هلُمّوا إلى الماءيُقال معًا
أيّها العِطاشُ جميعًا هلُمّوا إلى الماء،
ومن لا فضّةَ له تعالَ اشتَرِ وكُلْ.
هلُمّوا اشتَروا بغيرِ فضّةٍ وبغيرِ ثمن.لِمَ تزِنونَ فضّةً لغيرِ خبز، وتُتعِبونَ أنفسَكم لغيرِ شِبَع؟
اسمَعوا لي فتأكُلوا الطيّب، وتلتذَّ بالخيرِ أنفسُكم.
أميلوا آذانَكم وهلُمّوا إليّ. اسمَعوا فتحيا أنفسُكم.اطلُبوا اللهَ ما دام يُوجَد، وادعُوه فإنّه قريب.
ليترُكِ المسيءُ طريقَه، ورجُلُ الإثمِ أفكارَه،
وليرجِعْ إلى اللهِ فيرحَمَه، فإنّه كثيرُ المغفرة.فإنّ أفكاري ليست أفكارَكم، ولا طرُقُكم طرُقي،
وكما عَلَتِ السماواتُ عن الأرضِ، عَلَت طرُقي عن طرُقِكم، وأفكاري عن أفكارِكم.وكما ينزِلُ المطرُ والثلجُ من السماءِ فلا يرجِعانِ إليها،
بل يَرويانِ الأرضَ فتُنبِتُ وتُعطي زرعًا للزارعِ وخبزًا للآكل،
كذلك تكونُ كلمتي التي تخرُجُ من عندي:
لا ترجِعُ إليَّ فارغة، بل تصنَعُ ما أردتُ وتُتِمُّ ما أُرسِلَت له.
أيّها العطاش جميعا هلمّوا إلى المياه،
والذي ليس له فضّة تعالوا اشتروا وكلوا.
هلمّوا اشتروا بلا فضّة وبلا ثمن خمرا ولبنا.لماذا تزنون فضّة لغير خبز، وتعبكم لغير شبع؟
استمعوا لي استماعا وكلوا الطيّب، ولتتلذّذ بالدسم أنفسكم.
أميلوا آذانكم وهلمّوا إليّ. اسمعوا فتحيا أنفسكم.اطلبوا الربّ ما دام يوجد. ادعوه وهو قريب.
ليترك الشرّير طريقه، ورجل الإثم أفكاره،
وليتب إلى الربّ فيرحمه، وإلى إلهنا لأنّه يكثر الغفران.لأنّ أفكاري ليست أفكاركم، ولا طرقكم طرقي، يقول الربّ.
لأنّه كما علت السماوات عن الأرض، هكذا علت طرقي عن طرقكم، وأفكاري عن أفكاركم.لأنّه كما ينزل المطر والثلج من السماء ولا يرجعان إلى هناك،
بل يرويان الأرض ويجعلانها تلد وتنبت وتعطي زرعا للزارع وخبزا للآكل،
هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي.
لا ترجع إليّ فارغة، بل تعمل ما سررت به وتنجح في ما أرسلتها له.
٤٩. تطلُبونني فتجدوننييُقال معًا
أنا أعلمُ ما أُريدُه بكم: أفكارَ سلامٍ لا سوء، لأُعطيَكم آخرةً ورجاء.فتدعونني وتأتونَ وتسألونني فأسمَعُ لكم،
وتطلُبونني فتجدونني إذا طلبتموني بكلِّ قلوبِكم.فأُوجَدُ لكم، ويردُّ اللهُ ما ذهب منكم.
لأنّي عرفت الأفكار التي أنا مفتكر بها عنكم، يقول الربّ،
أفكار سلام لا شرّ، لأعطيكم آخرة ورجاء.فتدعونني وتذهبون وتصلّون إليّ فأسمع لكم،
وتطلبونني فتجدونني إذ تطلبونني بكلّ قلبكم.فأوجد لكم، يقول الربّ، وأردّ سبيكم.
٥٠. ماذا يطلبُ اللهُ منكيُقال معًا
بِمَ أتقدَّمُ إلى الله، وأنحني للإلهِ العليّ؟
أأتقدَّمُ بالقرابين، وبعُجولٍ أبناءِ سنة؟
أيرضى اللهُ بألوفِ الكِباش، وبرَبَواتِ أنهارِ الزيت؟
أأُعطي بِكري عن معصيتي، وثمرةَ جسدي عن خطيئةِ نفسي؟قد أخبَرَك أيّها الإنسانُ ما هو صالح، وماذا يطلُبُ اللهُ منك:
إلّا أن تصنَعَ الحقّ، وتُحِبَّ الرحمة، وتسلُكَ متواضعًا مع ربِّك.
بم أتقدّم إلى الربّ، وأنحني للإله العليّ؟
هل أتقدّم بمحرقات، بعجول أبناء سنة؟
هل يسرّ الربّ بألوف الكباش، بربوات أنهار زيت؟
هل أعطي بكري عن معصيتي، ثمرة جسدي عن خطيّة نفسي؟قد أخبرك أيّها الإنسان ما هو صالح، وماذا يطلبه منك الربّ:
إلّا أن تصنع الحقّ، وتحبّ الرحمة، وتسلك متواضعا مع إلهك.
٥١. توكَّلْ بكلِّ قلبِكيُقال معًا
يا بنيّ، لا تنسَ تعليمي، وليحفَظْ قلبُك وصاياي،
فإنّها تزيدُك طولَ أيّامٍ وسِنيَّ حياةٍ وسلامًا.لا تدَعِ الرحمةَ والحقَّ يتركانِك. تقلَّدْهما في عُنُقِك، واكتُبْهما على لَوحِ قلبِك،
فتجِدَ حُظوةً وفِطنةً صالحةً عند اللهِ والناس.توكَّلْ على اللهِ بكلِّ قلبِك، وعلى فهمِك لا تعتمِد.
في طرُقِك كلِّها اعرِفْه، وهو يُقيمُ سُبُلَك.لا تكُنْ حكيمًا في عينَي نفسِك. اتَّقِ اللهَ وابعُدْ عن السوء،
فيكونَ ذلك شفاءً لبدنِك وسَقاءً لعظامِك.أكرِمِ اللهَ من مالِك ومن أوّلِ كلِّ غَلّتِك.يا بنيّ، لا تحتقِرْ تأديبَ الله، ولا تكرَهْ تنبيهَه،
فإنّ الذي يُحبُّه اللهُ يؤدّبُه، كما يؤدّبُ الوالدُ ولدَه الذي يرضى عنه.
يا ابني، لا تنس شريعتي، بل ليحفظ قلبك وصاياي،
لأنّها تزيدك طول أيّام وسني حياة وسلامة.لا تدع الرحمة والحقّ يتركانك. تقلّدهما على عنقك. اكتبهما على لوح قلبك،
فتجد نعمة وفطنة صالحة في أعين الله والناس.توكّل على الربّ بكلّ قلبك، وعلى فهمك لا تعتمد.
في كلّ طرقك اعرفه، وهو يقوّم سبلك.لا تكن حكيما في عيني نفسك. اتّق الربّ وابعد عن الشرّ،
فيكون شفاء لسرّتك وسقاء لعظامك.أكرم الربّ من مالك، ومن أوّل كلّ غلّتك.يا ابني، لا تحتقر تأديب الربّ، ولا تكره توبيخه،
لأنّ الذي يحبّه الربّ يؤدّبه، وكأب بابن يسرّ به.
٥٢. البركةيُقال معًا
يُبارِكْك اللهُ ويحفَظْك،
ويُشرِقْ بوجهِه عليك ويَحُنَّ عليك،
ويرفَعْ وجهَه إليك ويجعَلْ لك سلامًا.
يباركك الربّ ويحرسك.
يضيء الربّ بوجهه عليك ويرحمك.
يرفع الربّ وجهه عليك ويمنحك سلاما.
وصايا موسى في الخروج ٢٠ وآيات الإسراء ٢٢-٣٩ تسيران على ترتيبٍ واحدٍ تقريبًا: لا إله سواه، وبالوالدين إحسانًا، ولا تقتل، ولا تقرب الزنى، ولا تقرب مال اليتيم، ولا تقفُ ما ليس لك به علم. وتختم الإسراء ذلك بقوله: ذلك ممّا أوحى إليك ربّك من الحكمة.
وهذه صياغةٌ واحدة، لكلّ وصيّةٍ فيها أصلٌ في الموضعين. وافتح المقابلة ترَ نصّ الخروج إلى جانبها.
٥٣. الوصايايُقال معًا
لا تجعَل مع اللهِ إلهًا آخر، ولا تعبُد سواه.ولا تتّخِذ صورةً ولا تمثالًا تسجُدُ له من دونِ الله.ولا تحلِف باسمِ اللهِ كاذبًا، ولا تجعَلْه عُرضةً لأيمانِك.واجعَل لربِّك من أيّامِك يومًا، تذكُرُه فيه، وتُريحُ فيه نفسَك ومَن تحتَ يدِك.وبالوالدَينِ إحسانًا. فلا تقُل لهما أفٍّ ولا تنهَرْهما، وقُل لهما قولًا كريمًا، واخفِض لهما جناحَ الذلِّ من الرحمة، وقُل: ربِّ ارحَمْهما كما ربَّياني صغيرًا.ولا تقتُلِ النفسَ التي حرَّم اللهُ إلّا بالحقّ.ولا تقرَبِ الزنى، إنّه كان فاحشةً وساء سبيلًا.ولا تسرِق، ولا تقرَبْ مالَ اليتيمِ إلّا بالتي هي أحسن.ولا تشهَد على أخيك شهادةَ زور، ولا تقفُ ما ليس لك به علم.ولا تشتَهِ ما ليس لك، ولا تحسُد أخاك على ما آتاه الله.وآتِ ذا القُربى حقَّه، والمسكينَ وابنَ السبيل، ولا تُبذِّر تبذيرًا.ولا تجعَل يدَك مغلولةً إلى عنقِك، ولا تبسُطها كلَّ البسط.وأوفوا بالعهد، إنّ العهدَ كان مسؤولًا.وأوفوا الكيلَ إذا كِلتُم، وزِنوا بالقِسطاسِ المستقيم.ولا تمشِ في الأرضِ مرحًا.
أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ.لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي.لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَّا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ.لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ بَاطِلاً.اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ. سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ، وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. لاَ تَصْنَعْ عَمَلاً مَّا أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَأَمَتُكَ.أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ.لاَ تَقْتُلْ.لاَ تَزْنِ.لاَ تَسْرِقْ.لاَ تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ.لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلاَ عَبْدَهُ وَلاَ أَمَتَهُ، وَلاَ شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ.
وفي الإسراء بعد هذه الوصايا زياداتٌ ليست في الخروج، وهي منها:
هذه ليست نصوصًا مُصلَحة، وإنّما مؤلَّفةٌ من المشترك: آيةٌ من الزبور، وكلمةٌ للمسيح، ولفظٌ من القرآن، ودعاءٌ ممّا أُثر عن النبيّ محمّد، على المقياس نفسه. وأدعيتُه في هذا الباب أعلى لسانًا وأعمقُ ممّا في الترجمات، وليس فيها ما يمتنع عن قوله مسيحيّ، إذ هي سؤالٌ لله وحده لا شهادةَ فيها لأحد. وموضعُها من الكتاب أنّ المسيحيّ والمسلم يجتمعان في العزاء والعُرس والمولود وعلى المائدة أكثر ممّا يجتمعان في كنيسةٍ أو مسجد، وليس بين أيديهما في تلك المواضع كلامٌ يقولانه معًا.
٥٤. عند الطعاميُقال معًا
بسمِ الله.
الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه.
اللهمَّ بارِك لنا فيما رزقتَنا،
يا مَن يُشبِعُ كلَّ حيٍّ من فضلِه،
واجعَل في طعامِنا نصيبًا لمن لا طعامَ له،
فأنت تُطعِمُ ولا تُطعَم. آمين.
٥٥. عند الصباحيُقال معًا
بسمِ الله.
اللهمَّ بك أصبَحْنا، وبك أمسَينا، وبك نحيا، وبك نموت، وإليك النُّشور.
اللهمَّ ما أصبَح بنا من نعمةٍ فمنك وحدَك، فلك الحمدُ ولك الشكر.
ربِّ أسألُك خيرَ ما في هذا اليومِ وخيرَ ما بعدَه،
وأعوذُ بك من شرِّ ما فيه وشرِّ ما بعدَه.
واهدِنا فيه الصراطَ المستقيم،
وأعِنّا على ذِكرِك وشُكرِك وحُسنِ عبادتِك. آمين.
٥٦. عند المساءيُقال معًا
بسمِ الله.
اللهمَّ باسمِك أموتُ وأحيا.
اللهمَّ أسلَمْتُ نفسي إليك، وفوَّضْتُ أمري إليك، وألجَأْتُ ظهري إليك،
رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأَ ولا منجا منك إلّا إليك.اللهمَّ ما أمسى بنا من نعمةٍ فمنك وحدَك، فلك الحمدُ ولك الشكر.
اغفِر لنا ما قدَّمْنا في يومِنا، وتجاوَز عمّا أسأنا،
واحفَظْنا في منامِنا، وأيقِظْنا على خير. آمين.
٥٧. عند المولوديُقال معًا
بسمِ الله.
اللهمَّ لك الحمدُ على ما وهَبْت.
أنت نسَجْتَه في بطنِ أمّه، وأحصَيتَ أيّامَه قبل أن يكون.اللهمَّ اجعَلْه مباركًا أينما كان،
وأنبِتْه نباتًا حسنًا،
وأُعيذُه بك وذرّيّتَه من كلِّ سوء.اللهمَّ اجعَلْه من الصالحين، وارزُقنا برَّه، وأقِرَّ به أعيُنَنا. آمين.
٥٨. عند المريضيُقال معًا
بسمِ الله.
اللهمَّ أذهِبِ البأسَ ربَّ الناس،
واشفِ أنت الشافي، لا شفاءَ إلّا شفاؤك، شفاءً لا يُغادِرُ سقمًا.اللهمَّ أنزِل عليه سكينتَك، واربِط على قلبِه.
فإذا مَرِضْنا فأنت تَشفينا، وإذا ضَعُفْنا فأنت تُقوّينا،
وإذا سِرنا في وادي ظِلِّ الموتِ فأنت معنا.لا بأسَ، طَهورٌ إن شاء الله. آمين.
٥٩. عند الميّتيُقال معًا
بسمِ الله.
إنّا لله وإنّا إليه راجعون.اللهمَّ منها خلَقْتَنا، وفيها تُعيدُنا، ومنها تُخرِجُنا تارةً أخرى.
فعلِّمْنا أن نُحصيَ أيّامَنا، حتّى نبلُغَ قلبَ الحكمة.اللهمَّ اغفِر له وارحَمْه، وعافِه واعفُ عنه،
وأكرِم نُزُلَه، ووسِّع مُدخَلَه،
ونقِّه من الخطايا كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَس.يا أيّتها النفسُ المطمئنّة، ارجِعي إلى ربّكِ راضيةً مرضيّة.وأنتَ الباقي وكلُّ شيءٍ هالك،
فاغفِر لنا وله، وأحسِن عزاءَنا فيه. آمين.
٦٠. عند السفريُقال معًا
بسمِ الله.
اللهمَّ إنّا نسألُك في سفرِنا هذا البِرَّ والتقوى، ومن العملِ ما ترضى.
اللهمَّ هوِّن علينا سفرَنا هذا، واطوِ عنّا بُعدَه.
اللهمَّ أنت الصاحبُ في السفر، والخليفةُ في الأهل.اللهمَّ إنّا نعوذُ بك من وَعثاءِ السفر، وكآبةِ المنظر، وسوءِ المُنقَلَبِ في المالِ والأهل.
واحفَظْ خروجَنا ودخولَنا، من الآنَ وإلى آخِرِ الدهر. آمين.
٦١. عند عقدِ النكاحيُقال معًا
بسمِ الله.
الحمدُ لله الذي خلَق من أنفُسِنا أزواجًا لنسكُنَ إليها،
وجعَل بيننا مودّةً ورحمة.اللهمَّ بارِك لهما وبارِك عليهما، واجمَع بينهما في خير.
اجعَلْ كلَّ واحدٍ منهما سكنًا لصاحبِه، وسِترًا له، وعونًا على البرّ.
وهَبْ لهما من ذرّيّتِهما قُرّةَ أعين.وما جمَعَ اللهُ فلا يُفرِّقْه إنسان. آمين.
٦٢. عند الاستغفاريُقال معًا
اللهمَّ أنت ربّي، لا إله إلّا أنت، خلَقْتَني وأنا عبدُك،
وأنا على عهدِك ووعدِك ما استطعت.
أعوذُ بك من شرِّ ما صنعت.
أبوءُ لك بنعمتِك عليَّ، وأبوءُ بذنبي، فاغفِر لي،
فإنّه لا يغفِرُ الذنوبَ إلّا أنت. آمين.
هذه تُقرأ ويُتأمّل فيها، ولا يُطلب من قارئها إقرارٌ بشيء. وفيها ما يجده المسيحيّ مألوفًا محبوبًا وإن اختلفت الألفاظ عمّا اعتاده.
وفيها يوحنّا ١٤-١٥، وكنت أحسبه من مواضع الفرق حتّى نظرت في لسانه. فالطريق واحد، وقد سمّت به الجماعةُ الأولى نفسَها في أعمال الرسل، ويسألُه المسلم في كلّ ركعة: اهدنا الصراط المستقيم. والقرآن ينصّ على أنّ الدين المُوصى به نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمّدًا واحدٌ لا يُتفرَّق فيه. فمن قال «أنا هو الطريق» لم يُغلِق طريقًا، وإنّما سمّاه.
٦٣. البشارةيُقرأ معًا
وفي الشهرِ السادس، أرسل اللهُ روحَه إلى مدينةٍ من الجليلِ اسمُها الناصرة، إلى مريمَ العذراء، التي انتبذت من أهلِها مكانًا شرقيًّا، فاتّخذت من دونِهم حجابًا، وكانت مخطوبةً لرجلٍ صالحٍ من بيتِ داودَ اسمُه يوسف.فتمثّل لها بشرًا سويًّا، وقال:
يا مريم، إنّ الله اصطفاكِ وطهّرَكِ، واصطفاكِ على نساءِ العالمين.فلمّا رأته، قالت:
إنّي أعوذُ بالرحمنِ منك إن كنتَ تقيًّا.قال:
إنّما أنا رسولُ ربِّكِ، لأهَبَ لكِ غلامًا زكيًّا.يا مريم، إنّ الله يُبشِّرُكِ بكلمةٍ منه،
اسمُه المسيحُ عيسى ابنُ مريم،
وجيهًا في الدنيا والآخرة، ومن المقرَّبين،
ويُكلِّمُ الناسَ في المهدِ وكهلًا، ومن الصالحين.قالت:
أنّى يكونُ لي غلامٌ، ولم يمسَسني بشر، ولم أكُ بغيًّا؟قال:
كذلكِ، قال ربُّكِ: هو عليَّ هيِّن،
ولنجعلَه آيةً للناس، ورحمةً منّا،
وكان أمرًا مقضيًّا.
إذا قضى اللهُ أمرًا فإنّما يقولُ له: كُن فيكون.وهذا، إنّ نسيبتَكِ أليصاباتَ، أمَّ يحيى، حُبلى به في شيخوختِها بعد عُقم، بشارةً منحها اللهُ إيّاها بلُطفِه. ليس شيءٌ يُعجِزُ الله.قالت:
إنّما أنا أمةُ ربّي، فليكُن ما شاء الله.
اللهمَّ ربِّ، إنّي أقنُتُ لك، وأسجُد، وأركعُ مع الراكعين.فمضى من عندِها الرسول.
وَفِي الشَّهْرِ السَّادِسِ أُرْسِلَ جِبْرَائِيلُ الْمَلاَكُ مِنَ اللهِ إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ اسْمُهَا نَاصِرَةُ، إِلَى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُلٍ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ اسْمُهُ يُوسُفُ. وَاسْمُ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمُ.فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلاَكُ وَقَالَ:
سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! الرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ.فَلَمَّا رَأَتْهُ اضْطَرَبَتْ مِنْ كَلاَمِهِ، وَفَكَّرَتْ: مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هذِهِ التَّحِيَّةُ!فَقَالَ لَهَا الْمَلاَكُ:
لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ.وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ.
هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى،
وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ،
وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ.فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلاَكِ:
كَيْفَ يَكُونُ هذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلاً؟فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها:
اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ،
فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ.وَهُوَذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيبَتُكِ هِيَ أَيْضًا حُبْلَى بِابْنٍ فِي شَيْخُوخَتِهَا، وَهذَا هُوَ الشَّهْرُ السَّادِسُ لِتِلْكَ الْمَدْعُوَّةِ عَاقِرًا، لأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى اللهِ.فَقَالَتْ مَرْيَمُ:
هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ.فَمَضَى مِنْ عِنْدِهَا الْمَلاَكُ.
٦٤. الميلاديُقرأ معًا
فحمَلَته فانتبذت به مكانًا قصيًّا.فأجاءها المخاضُ إلى جِذعِ النخلة.
قالت: يا ليتني مِتُّ قبلَ هذا وكنتُ نسيًا منسيًّا.فناداها من تحتِها:
ألّا تحزني، قد جعل ربُّكِ تحتَكِ سريًّا.
وهُزّي إليكِ بجِذعِ النخلةِ تُساقِط عليكِ رُطبًا جنيًّا.
فكُلي واشربي وقَرّي عينًا.
فإمّا ترَيِنَّ من البشرِ أحدًا فقولي:
إنّي نذرتُ للرحمنِ صومًا، فلن أُكلِّمَ اليومَ إنسيًّا.فأتت به قومَها تحمِلُه.
قالوا: يا مريمُ لقد جئتِ شيئًا فريًّا.
يا أختَ هارون، ما كان أبوكِ امرأَ سَوءٍ، وما كانت أمُّكِ بغيًّا.فأشارت إليه.
قالوا: كيف نُكلِّمُ من كان في المهدِ صبيًّا؟قال:
إنّي عبدُ الله،
آتاني الكتابَ، وجعلني نبيًّا.
وجعلني مباركًا أينما كنت،
وأوصاني بالصلاةِ والزكاةِ ما دمتُ حيًّا،
وبَرًّا بوالدتي،
ولم يجعلني جبّارًا شقيًّا.والسلامُ عليَّ يومَ وُلِدت، ويومَ أموت، ويومَ أُبعَثُ حيًّا.
وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أُوغُسْطُسَ قَيْصَرَ بِأَنْ يُكْتَتَبَ كُلُّ الْمَسْكُونَةِ.
فَذَهَبَ الْجَمِيعُ لِيُكْتَتَبُوا، كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَدِينَتِهِ.فَصَعِدَ يُوسُفُ أَيْضًا مِنَ الْجَلِيلِ مِنْ مَدِينَةِ النَّاصِرَةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ، إِلَى مَدِينَةِ دَاوُدَ الَّتِي تُدْعَى بَيْتَ لَحْمٍ، لِكَوْنِهِ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ وَعَشِيرَتِهِ، لِيُكْتَتَبَ مَعَ مَرْيَمَ امْرَأَتِهِ الْمَخْطُوبَةِ وَهِيَ حُبْلَى.وَبَيْنَمَا هُمَا هُنَاكَ تَمَّتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ.
فَوَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ وَقَمَّطَتْهُ وَأَضْجَعَتْهُ فِي الْمِذْوَدِ،
إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي الْمَنْزِلِ.وَكَانَ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ رُعَاةٌ مُتَبَدِّينَ يَحْرُسُونَ حِرَاسَاتِ اللَّيْلِ عَلَى رَعِيَّتِهِمْ.
وَإِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ وَقَفَ بِهِمْ وَمَجْدُ الرَّبِّ أَضَاءَ حَوْلَهُمْ، فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا.فَقَالَ لَهُمُ الْمَلاَكُ:
لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ:
أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ.
وَهذِهِ لَكُمُ الْعَلاَمَةُ: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطًا مُضْجَعًا فِي مِذْوَدٍ.
٦٥. سبحان الله في العلىيُقرأ معًا
سبحانَ اللهِ في العُلى،
والسلامُ على الأرض،
ورضوانُ اللهِ على عبادِه.نُسبِّحُك، ونباركُ اسمَك،
ونسجُدُ لك، ونحمَدُك،
ونشكُرُك على عظيمِ فضلِك،
يا اللهُ ربَّ العالمين،
الواحدَ الأحدَ، القادرَ على كلِّ شيء.والسلامُ على عيسى ابنِ مريم،
روحِ اللهِ وكلمتِه، عبدِه ورسولِه:
يومَ وُلِد، ويومَ رُفِع، ويومَ يُبعَثُ حيًّا.اللهمَّ اغفِر لنا ذنوبَنا،
واقبَل منّا، وارحمنا،
إنّك أنت التوّابُ الرحيم.فأنتَ يا اللهُ وحدَك القدّوس،
أنتَ وحدَك الربّ،
أنتَ وحدَك العليُّ الأعلى.
سبحانك ربَّنا وبحمدك،
تباركتَ وتعاليت. آمين.
اَلْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ.نُسَبِّحُكَ، نُبَارِكُكَ، نَسْجُدُ لَكَ، نُمَجِّدُكَ،
نَشْكُرُكَ مِنْ أَجْلِ عَظِيمِ مَجْدِكَ،
أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلهُ، الْمَلِكُ السَّمَاوِيُّ،
الإِلهُ الآبُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الاِبْنُ الْوَحِيدُ،
يَا حَمَلَ اللهِ، يَا ابْنَ الآبِ،
يَا حَامِلَ خَطَايَا الْعَالَمِ، ارْحَمْنَا.
يَا حَامِلَ خَطَايَا الْعَالَمِ، اقْبَلْ تَضَرُّعَنَا.
يَا جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الآبِ، ارْحَمْنَا.لأَنَّكَ أَنْتَ وَحْدَكَ الْقُدُّوسُ،
أَنْتَ وَحْدَكَ الرَّبُّ،
أَنْتَ وَحْدَكَ الْعَلِيُّ، يَا يَسُوعُ الْمَسِيحُ،
مَعَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، فِي مَجْدِ اللهِ الآبِ. آمِين.
٦٦. أنا هو الطريق، والفارقليطيُقرأ معًا
لا تضطرِبْ قلوبُكم. آمِنوا بالله وآمِنوا بي.
في بيتِ ربّي منازلُ كثيرة، وأنا ماضٍ لأُهيّئَ لكم مكانًا،
وحيث أكونُ تكونون أنتم أيضًا، وأنتم تعلمون الطريقَ إلى حيث أمضي.قال له توما: يا سيّد، لسنا نعلمُ أين تمضي، فكيف نعلمُ الطريق؟
قال له: أنا هو الطريقُ والحقُّ والحياة، لا يأتي أحدٌ إلى ربّي إلّا بي.إن كنتم تُحبّونني فاحفَظوا وصاياي.
وأنا أسألُ ربّي فيُعطيكم فارقليطًا آخرَ يمكثُ معكم إلى الأبد،
روحَ الحقّ.والفارقليطُ، روحُ القُدُسِ الذي يُرسِلُه ربّي باسمي،
هو يُعلّمُكم كلَّ شيء، ويُذكّرُكم بكلِّ ما قلتُه لكم.سمعتم أنّي قلتُ لكم: أمضي ثمّ آتي إليكم.
ولو كنتم تُحبّونني لفرِحتُم أنّي ماضٍ إلى ربّي،
فإنّ ربّي أعظمُ منّي.أنا الكرمةُ الحقّ، وربّي الكرّام.
اثبُتوا فيَّ وأنا فيكم. كما أنّ الغُصنَ لا يُثمِرُ من ذاته إن لم يثبُت في الكرمة،
كذلك أنتم إن لم تثبُتوا فيَّ.هذه وصيّتي: أن يُحِبَّ بعضُكم بعضًا كما أحببتُكم.
ليس لأحدٍ حبٌّ أعظمُ من أن يبذُلَ نفسَه عن أحبّائه.ومتى جاء الفارقليطُ الذي أُرسِلُه إليكم من عند ربّي،
روحُ الحقِّ الذي من عند ربّي يخرُج، فهو يشهدُ لي.وأمّا متى جاء ذاك، روحُ الحقّ، فهو يهديكم إلى الحقِّ كلِّه،
فإنّه لا يتكلّمُ من نفسِه، بل كلَّ ما يسمعُ يتكلّمُ به،
ويُخبرُكم بما يأتي.
لا تضطرب قلوبكم. أنتم تؤمنون بالله فآمنوا بي.
في بيت أبي منازل كثيرة، وإلّا فإنّي كنت قد قلت لكم. أنا أمضي لأعدّ لكم مكانًا.
وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا آتي أيضًا وآخذكم إليّ، حتّى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا.
وتعلمون حيث أنا أذهب وتعلمون الطريق.قال له توما: يا سيّد، لسنا نعلم أين تذهب، فكيف نقدر أن نعرف الطريق؟
قال له يسوع: أنا هو الطريق والحقّ والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلّا بي.إن كنتم تحبّونني فاحفظوا وصاياي،
وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزّيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد،
روح الحقّ الذي لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنّه لا يراه ولا يعرفه، وأمّا أنتم فتعرفونه لأنّه ماكث معكم ويكون فيكم.وأمّا المعزّي، الروح القدس، الذي سيرسله الآب باسمي،
فهو يعلّمكم كلّ شيء ويذكّركم بكلّ ما قلته لكم.سمعتم أنّي قلت لكم: أنا أذهب ثمّ آتي إليكم.
لو كنتم تحبّونني لكنتم تفرحون لأنّي قلت أمضي إلى الآب،
لأنّ أبي أعظم منّي.أنا الكرمة الحقيقيّة وأبي الكرّام.
اثبتوا فيّ وأنا فيكم. كما أنّ الغصن لا يقدر أن يأتي بثمر من ذاته إن لم يثبت في الكرمة،
كذلك أنتم أيضًا إن لم تثبتوا فيّ.هذه هي وصيّتي أن تحبّوا بعضكم بعضًا كما أحببتكم.
ليس لأحد حبّ أعظم من هذا: أن يضع أحد نفسه لأجل أحبّائه.ومتى جاء المعزّي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب،
روح الحقّ الذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي.وأمّا متى جاء ذاك، روح الحقّ، فهو يرشدكم إلى جميع الحقّ،
لأنّه لا يتكلّم من نفسه بل كلّ ما يسمع يتكلّم به، ويخبركم بأمور آتية.
٦٧. أن يكونوا واحدًايُقرأ معًا
رفَع عينيه إلى السماء وقال:يا ربِّ، قد أتت الساعة. مجِّدْ عبدَك ليُمجِّدَك عبدُك،
فقد آتيتَه سلطانًا على كلِّ بشرٍ ليُؤتيَ الحياةَ الباقيةَ كلَّ من آتيتَه.وهذه هي الحياةُ الباقية: أن يعرفوك أنت الإلهَ الحقيقيَّ وحدَك، والمسيحَ الذي أرسلتَه.أنا مجَّدتُك في الأرض، وأتممتُ العملَ الذي آتيتَني لأعمله.ولستُ بعدُ في العالم، وهؤلاء في العالم، وأنا آتٍ إليك.
يا ربِّ القدّوس، احفَظْهم في اسمِك الذي آتيتَني، ليكونوا واحدًا كما نحن.لستُ أسألُك أن تأخُذَهم من العالم، بل أن تَقِيَهم الشرّ.
قدِّسْهم في حقِّك، فكلامُك هو الحقّ.
وكما أرسلتَني إلى العالم أرسلتُهم إلى العالم.ولستُ أسألُ لهؤلاء وحدَهم، بل للذين يؤمنون بي بكلامِهم:أن يكونَ الجميعُ واحدًا، كما أنّك فيَّ وأنا فيك، وأن يكونوا هم أيضًا واحدًا فينا،
ليؤمنَ العالمُ أنّك أرسلتَني.وقد آتيتُهم ما آتيتَني ليكونوا واحدًا كما أنّا واحد،
أنا فيهم وأنت فيَّ، حتّى يبلُغوا الوحدة،
فيعلمَ العالمُ أنّك أرسلتَني وأنّك أحببتَهم كما أحببتَني.
تكلّم يسوع بهذا ورفع عينيه نحو السماء وقال:أيّها الآب، قد أتت الساعة. مجّد ابنك ليمجّدك ابنك أيضا،
إذ أعطيته سلطانا على كلّ جسد ليعطي حياة أبديّة لكلّ من أعطيته.وهذه هي الحياة الأبديّة: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته.أنا مجّدتك على الأرض. العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته.ولست أنا بعد في العالم، وأمّا هؤلاء فهم في العالم، وأنا آتي إليك.
أيّها الآب القدّوس، احفظهم في اسمك الذين أعطيتني، ليكونوا واحدا كما نحن.لست أسأل أن تأخذهم من العالم، بل أن تحفظهم من الشرّير.
قدّسهم في حقّك. كلامك هو حقّ.
كما أرسلتني إلى العالم أرسلتهم أنا إلى العالم.ولست أسأل من أجل هؤلاء فقط، بل أيضا من أجل الذين يؤمنون بي بكلامهم:ليكون الجميع واحدا، كما أنّك أنت أيّها الآب فيّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضا واحدا فينا،
ليؤمن العالم أنّك أرسلتني.وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدا كما أنّنا نحن واحد،
أنا فيهم وأنت فيّ ليكونوا مكمّلين إلى واحد،
وليعلم العالم أنّك أرسلتني وأحببتهم كما أحببتني.
هنا يفترق الطريق. الخلاف في الصلب والبنوّة والتثليث خلافٌ لا ترفعه دراسة ترجمة. وهذه النصوص مكتوبة كما أعتقدها، ولا يُطلب من أحدٍ أن يقولها معي.
٦٨. التسبيحموضعُ فرق
الحمدُ للهِ الذي لم يتّخِذ ولدًا،
ولم يكُن له شريكٌ في المُلك،
ولم يكُن له وليٌّ من الذُّلّ.
له الحمدُ في الأولى والآخرة،
وهو الأوّلُ والآخِر،
اللهُ أكبرُ كبيرًا. آمين.
اَلْمَجْدُ لِلآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ،
كَمَا كَانَ فِي الْبَدْءِ، وَالآنَ، وَكُلَّ أَوَانٍ، وَإِلَى دَهْرِ الدَّاهِرِينَ. آمِين.
٦٩. قانون الإيمانموضعُ فرق
أؤمنُ باللهِ، ربِّ العالمين،
الواحدِ الأحدِ، القادرِ على كلِّ شيء،
خالقِ السماواتِ والأرض.وبعيسى ابنِ مريم، المسيح،
روحِ اللهِ وكلمتِه، عبدِه ورسولِه،الذي ألقى اللهُ كلمتَه إلى مريم،
ونفخ فيها من روحِه،
فحمَلت به وهي عذراء،
وولَدَته آيةً للعالمين.وما قتلوه وما صلبوه، ولكن شُبِّهَ لهم.
بل رفعه اللهُ إليه، وكان اللهُ عزيزًا حكيمًا.رفعه اللهُ إليه طاهرًا،
فلم يَذُق موتًا، وهو حيٌّ عند ربّه،
حتّى يحينَ أمرُه.وإنّه لَعِلمٌ للساعة، ينزِلُ آيةً وشاهدًا،
واللهُ وحدَه يحكُمُ بين عبادِه يومَ الفصل.وأؤمنُ بروحِ القُدُس،
الذي ينزِّلُ به اللهُ كلامَه على رُسُلِه.وبالأمّةِ المؤمنة، مِلّةِ إبراهيمَ حنيفًا،
وبمن سبق من النبيّينَ والصدّيقينَ والشهداءِ والصالحين.وبمغفرةِ الذنوب، يغفِرُها اللهُ لمن يشاء.
وبالبعثِ يومَ القيامة، يُحيي اللهُ الموتى كما بدأهم.
وبالحياةِ الآخرة، دارِ القرار. آمين.
أُومِنُ بِاللهِ الآبِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، خَالِقِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ.وَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ الْوَحِيدِ رَبِّنَا،الَّذِي حُبِلَ بِهِ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَوُلِدَ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ،وَتَأَلَّمَ فِي عَهْدِ بِيلاَطُسَ الْبُنْطِيِّ، صُلِبَ، مَاتَ وَقُبِرَ،
نَزَلَ إِلَى الْجَحِيمِ،
وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ قَامَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ،
صَعِدَ إِلَى السَّمَاوَاتِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ اللهِ الآبِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ،
وَمِنْ هُنَاكَ سَيَأْتِي لِيَدِينَ الأَحْيَاءَ وَالأَمْوَاتَ.أُومِنُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ،
بِالْكَنِيسَةِ الْجَامِعَةِ الْمُقَدَّسَةِ، بِشَرِكَةِ الْقِدِّيسِينَ،
بِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا، بِقِيَامَةِ الْجَسَدِ، بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. آمِين.
٧٠. في البدء كانت الكلمةموضعُ فرق
في البدءِ كانت الكلمة،
وكانت الكلمةُ عند الله،
وكانت الكلمةُ من الله.
كذلك كانت في البدءِ عند ربّها.بكلمتِه كان كلُّ شيء،
وقولُه للشيء: كُن فيكون.وفي كلمتِه الحياة،
وحياتُه نورٌ للناس.
والنورُ يُضيءُ في الظلمات،
والظلماتُ لا تُدرِكُه.أُرسِلَ من اللهِ رجلٌ اسمُه يحيى،
جاء شاهدًا ليشهدَ للنور، فيؤمنَ به الناس.
لم يكُن هو النور، ولكنّه شاهدٌ على النور.
وكان النورُ الحقُّ الذي يهدي كلَّ مَن في العالم.كان في العالم، وبكلمتِه كُوِّنَ العالم،
ولم يعرِفِ العالمُ كلمتَه.
وجاء إلى قومِه فلم يقبلوه.
فأمّا الذين قبلوه فجعلهم من أوليائِه،
يهديهم إلى نورِه،
فهم المؤمنونَ باسمِه،
الذين هداهُمُ اللهُ بفضلِه،
لا بنسبٍ ولا بهوى نفسٍ ولا بإرادةِ بشر،
بل بهدايةِ ربِّ العالمين.وألقى اللهُ كلمتَه إلى مريم،
فصارت الكلمةُ بشرًا سويًّا، وأجنَّت فينا،
فرأينا فيه آياتِ ربِّه،
مملوءًا طِيبةً وقِسطًا.وشهد له يحيى قائلًا:
هذا هو الذي بشّرتُ به،
وهو في علمِ اللهِ قبلي وإن أتى بعدي.ومن فضلِه نِلنا جميعًا رحمةً فوق رحمة.
بموسى آتانا التوراة، وبعيسى آتانا الإنجيل،
فيهما هدًى ونور.اللهُ لم يَرَه أحدٌ قطّ،
لا تُدرِكُه الأبصارُ وهو يُدرِكُ الأبصار.
ولكنّ عيسى، روحَ اللهِ وكلمتَه، أخبرَنا عنه.
فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ.
هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ.كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ.فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ،
وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ، وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ.كَانَ إِنْسَانٌ مُرْسَلٌ مِنَ اللهِ اسْمُهُ يُوحَنَّا.
هذَا جَاءَ لِلشَّهَادَةِ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ، لِكَيْ يُؤْمِنَ الْكُلُّ بِوَاسِطَتِهِ.
لَمْ يَكُنْ هُوَ النُّورَ، بَلْ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ.
كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ.كَانَ فِي الْعَالَمِ، وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ.
إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ.
وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ،
أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ،
الَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُلٍ، بَلْ مِنَ اللهِ.وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا،
وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا.يُوحَنَّا شَهِدَ لَهُ وَنَادَى قَائِلاً:
هذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: إِنَّ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي صَارَ قُدَّامِي، لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي.وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعًا أَخَذْنَا، وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ.
لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا.اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ.
اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ.
كلُّ ما مضى في هذا الكتاب في الألفاظ. وهذا الملحق في الأعمال.
والقرآن نفسه يدلّ عليه. ففي المائدة ٨٢: ولتجدنّ أقربهم مودّةً للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى، ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا وأنّهم لا يستكبرون. فالآية لا تقول إنّهم أقربُ وتسكت، بل تُعلّل القُربَ وتُعيّن موضعه: القسّيسون والرهبان. أي أنّ أقربَ ما في النصرانية إلى الإيمان هو طبقةُ الزهد والتعبّد، لا طبقةُ المجامع والعقائد.
وفي الحديد ٢٧: ورهبانيةً ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلّا ابتغاءَ رضوانِ الله، فما رعوها حقَّ رعايتها. والعتبُ في آخر الجملة على مَن لم يَرعَها، لا على الرهبانية نفسها.
ما يفعله الراهبُ وما يفعله الفقير
ما مضى من هذا الملحق في آياتٍ تُقال. وهذا الفصل في شيءٍ آخر: في ما يصنعه الرجلان بأيديهما وأنفاسِهما وأوقاتِهما. فإذا سألتَ الراهبَ والفقيرَ عن المسيح سمعتَ الخلافَ الذي تعرفه. وإذا تركتَ السؤالَ ونظرتَ إلى ما يفعله كلٌّ منهما من حين يستيقظ إلى حين ينام، لم تكد تجد فرقًا. كلاهما يلبَسُ ثوبًا يأخذُه من يدِ شيخِه ولا يشتريه، يسمّيه الصوفيُّ الخِرقة، ويسمّيه راهبُ المشرق الإسكيم. وكلاهما يُسلِّمُ أمرَه إلى رجلٍ يتعلّمُ منه، هو الشيخُ عند الأوّل والأبُ الروحيُّ عند الثاني. ويردّدُ كلٌّ منهما كلمةً واحدةً مع النَّفَس حتّى تسكُنَ في قلبه، وهو الذِّكرُ عند الصوفيّ وصلاةُ القلبِ عند الراهب. ثمّ يخلو كلاهما أربعين يومًا، ويقطعُ يومَه على أوقاتٍ معلومة، هي الوِردُ عند الصوفيّ وفرضُ الساعاتِ عند الراهب. وهذا كلُّه قائمٌ قبل أن يُسأل أحدُهما عن عقيدته. وليس هذا شيئًا حدث بالأمس. فآباءُ البرّيّة خرجوا إلى صحارى مصر والشام في القرن الثالث للميلاد، وخرج أوّلُ زُهّاد المسلمين إلى الأرض نفسِها بعدهم بأربعةِ قرون. لم يفصل بينهما بحرٌ ولا لسان، وإنّما تعاقبا على صحراءَ واحدة، وطلبا فيها ما طلب الأوّلون. وكلامُ العرب في هذا سابقٌ للإسلام. فالراهبُ والرهبانيّةُ والصومعةُ ألفاظٌ عربيّةٌ قديمة، يعرفها الشعرُ الجاهليّ ولم تُستعَر من لسانٍ آخر. أي أنّ العربَ كانوا يعرفون الرجلَ المنقطعَ ويسمّونه باسمِه قبل أن ينزل القرآن. والقرآن يذكر بيوتَ هؤلاء بالاسم. الحجّ ٤٠: ولولا دفعُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعضٍ لهُدِّمت صوامعُ وبِيَعٌ وصلواتٌ ومساجدُ يُذكَرُ فيها اسمُ اللهِ كثيرًا. فالصومعةُ خلوةُ الراهب، والبِيعةُ كنيسةُ النصارى، والصلواتُ معابدُ اليهود، ثمّ المساجد. أربعةُ بيوتٍ في آيةٍ واحدة، وعلّةُ الدفعِ عنها واحدةٌ فيها جميعًا: أنّ اسمَ اللهِ يُذكَرُ فيها. ولستُ أقول في هذا الفصل إنّ أحدَ الطريقين أخذ عن الآخر. وإنّما أعرِضُ ما أراه: رجلانِ وقفا في الموضع نفسِه يطلبانِ الشيءَ نفسَه، فوقعا على العملِ نفسِه. وهذا أشبهُ شيءٍ بما تبيّن في الألفاظ، فليست العربيّةُ بنتًا للآراميّة ولا الآراميّةُ بنتًا لها، وإنّما هما أُختان. وما يلي مواضعُ المضاهاة، موضعًا موضعًا. الاسم واحد مرّتين. سمّت الجماعةُ الأولى نفسها الطريق، ويسأل المسلم في كلّ ركعة الصراطَ المستقيم. وسمّى الأبيونيّون أنفسهم الفقراء (بالعبرية «إبيونيم»)، ويسمّي الصوفيّ نفسه الفقير. ملّتان سمّتا دينَهما الطريقَ وسمّتا أهلَه الفقراء. الشيخ والمريد. يأخذ الصوفيّ عن شيخٍ يُسلّم له ويُحاسب نفسَه بين يديه. وآباءُ البرّية في مصر والشام كان الناسك يلزم واحدَهم ويُسمّيه أبّا، وهي الكلمة نفسها التي مرّت بنا: قائمُ البيت الذي يُعال به ويُقصَد إليه. والبنيةُ واحدة: مبتدئٌ يلزم عارفًا، ولا يسلك وحده. السند. يعدّ الصوفيّ سلسلةَ شيوخه شيخًا عن شيخ إلى النبيّ. والرهبانيّةُ تعدّ سلسلةَ آبائها كذلك. والقاعدة واحدة: العلمُ يُؤخذ بالتلقّي لا بالكتاب وحده. الذِّكر وصلاةُ القلب. يُردّد الصوفيّ كلمةً واحدة مع النَّفَس حتّى تنزل من اللسان إلى القلب. وفي الرهبانية الشرقية صلاةُ اسمِ المسيح، وهي المعروفةُ عندهم بـ«صلاة يسوع»: جملةٌ قصيرة تُردَّد مع الشهيق والزفير، ويُسمّى أهلُها الهدوئيّين من اليونانية هِسِخيا (ἡσυχία) أي السكون. والطريقتان واحدةٌ في الآلة والغاية: لفظٌ قصير، ونَفَسٌ منتظم، وقلبٌ هو المقصود. الخلوة والأربعون. يخلو الصوفيّ أربعين يومًا، ويخلو الناسك أربعين. والعددُ نفسُه في موسى وفي المسيح في البرّيّة. الوِرد وصلواتُ الساعات. للصوفيّ وِردٌ يُقيمه في أوقاتٍ معلومة، وللراهب فرضُ الساعات كذلك. جدولٌ ثابتٌ يقطع اليوم على الذِّكر. الخِرقةُ والإسكيم. يُلبِس الشيخُ مريدَه الخِرقة، وهي مرقّعةٌ من أسمالٍ لا ثوبٌ يُشترى. ويُلبَس راهبُ المشرق الإسكيمَ من يد رئيسه عند نذره، ولفظُه من اليونانية σχῆμα (سْخيما) أي الهيئةُ والصورة، وهو عندهم على درجتين: إسكيمٌ صغير، ثمّ إسكيمٌ كبير لمن تقدّم في الانقطاع. ويُلبَس الكاهنُ عند رسامته من يد أسقفه. وفي البوذية ثوبٌ يُلقى على الكتف ينتقل من المعلّم إلى تلميذه، اسمُه كاشايا (काषाय) أي المصبوغُ بلون التراب. ومن سُنّة المتشدّدين منهم أن يُخاط من خِرَقٍ تُلتقَط من المزابل، ويسمّونه بامْسوكولا (पांसुकूल) أي ثوبَ الغُبار. والخِرقةُ عند الصوفيّ كذلك مرقّعةٌ من أسمال. فالفقرُ في الطرق الثلاثة مَلبوسٌ لا مقول. وأصلُ هذا في الوحي أقدمُ من الطريقين معًا. قميصُ يوسف: اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتِ بصيرًا (يوسف ٩٣)، فالثوبُ يحمل ما يُبرئ. ورداءُ إيليّا حين سقط فالتقطه أليشع، فانتقلت به النبوّة (الملوك الثاني ٢: ١٣). وهُدْبُ ثوب المسيح الذي مسّته المرأة فبرئت (متّى ٩: ٢٠). فالثوبُ في هذه المواضع سَنَدٌ محسوس: ما يُؤخذ من يدٍ إلى يد فتنتقل به البركةُ أو الإذنُ أو الشفاء. وما بقي في الطريقين من لُبسٍ فهو آخرُ ما بقي من ذلك. محاسبةُ النفس. يعرض الصوفيّ خواطرَه على شيخه، ويعرض الناسكُ أفكارَه على أبيه الروحيّ. وهي عند الأوّلين المحاسبة وعند الآخرين كشفُ الأفكار. المقامات والدرجات. للصوفيّ مقاماتٌ وأحوال يرتقي فيها. ويوحنّا السُّلَّميّ كتب سُلَّمًا درجاتُه ثلاثون. والبناءُ واحد: طريقٌ مُدرَّج لا قفزةٌ واحدة. الزاوية والدير. بيتٌ يُقصَد للانقطاع، فيه شيخٌ ومقيمون وعابرون، ويُطعَم فيه الغريب.
ما يترتّب على هذا
أنّ ما بقي من النصرانية على أصله لم يبقَ في المجامع، بل في الأديرة. وأنّ ما يُشبهه في الإسلام ليس الفقهَ المدوَّن بل الطريق. فإذا وقف الراهبُ والفقيرُ أحدُهما بإزاء الآخر، لم يجدا بينهما ما وجده الفقيهُ والقسّ. وهذا هو الوجه الآخر لما بُني عليه هذا الكتاب. فما تبيّن في الألفاظ ــ أنّ التسبيح والمجد كلمةٌ واحدة، وأنّ الطريق واحد ــ يتبيّن في الأعمال: أنّ الرجلين يُصلّيان الصلاة نفسها بالطريقة نفسها، وإن اختلف ما يقولانه عن المسيح. والتفصيل في «عودة المسيح»، في فصل الأبيونيّين وجدول المُضاهاة.
جمَع طريف الخالديّ نحوَ ثلاثمئةِ قولٍ نُسِبت إلى المسيح في كتب المسلمين وسمّى مجموعَها «الإنجيلَ الإسلاميّ». وأكثرُها في كتاب الزهد لأحمد بن حنبل، وفي الزهد والرقائق لعبد الله بن المبارك، وفي كتب ابن أبي الدنيا، وفي إحياء علوم الدين للغزاليّ.
وأقولُ ما لها وما عليها قبل أن أُثبِتَ منها حرفًا. هذه الأقوال ليست في الأناجيل، ولا إسنادَ لها إلى المسيح يقبله المسيحيُّ ولا المسلم. وأكثرُها يظهر في القرن الثالث للهجرة وما بعده، أي بعد المسيح بثمانيةِ قرون. فهي متنٌ تكوَّن داخل أدب الزهد الإسلاميّ، لا نقلٌ محفوظٌ عنه. ولذلك ليست في شيءٍ من المراتب الثلاث، ولا تُقال في صلاة، ولا أعرِضُها على أنّها كلامُه.
وإنّما أُثبِتُها لأنّ وجودَها نفسَه هو الخبر. فحين أراد المسلمون أن يبنوا كلامَهم في الفقر وترك الدنيا، لم يضعوه في فم أبي ذرٍّ ولا الحسنِ البصريّ، وإنّما وضعوه في فم عيسى. ثلاثمئةُ قولٍ، عند إمام أهل الحديث وعند حجّة الإسلام. وهذا يقول في موضع المسيح من الضمير الإسلاميّ ما لا تقوله المجادلات.
وفي كتاب الزهد لأحمد بن حنبل أثرٌ يزيد هذا وضوحًا، وليس من كلام المسيح بل عنه: سُئل عن الغرباء وأحبِّ الناسِ إلى الله، فقيل هم الفرّارون بدينهم، يُبعَثون يوم القيامة مع عيسى ابن مريم. فمن فرّ بدينه فمَحشرُه معه.
وفي بعض هذه الأقوال ما يقولُه الإنجيلُ بصورةٍ أخرى من غير أن ينقُل عنه. وهذا أوّلُ ما تحقّقتُ من نصِّه العربيّ في أصوله، وأزيدُ عليه.
في الدنيا والفقر
«الدنيا قنطرة، فاعبُروها ولا تعمُروها.» في إحياء علوم الدين، وفي عيون الأخبار لابن قتيبة، وفي الزهد لأحمد بن حنبل. وهي أشهرُ ما نُسِب إليه في الإسلام، منقوشةٌ على بابِ فتحبور سيكري في الهند، وليست في الأناجيل. «لا تتّخِذوا الدنيا ربًّا فتتّخِذَكم عبيدًا.» في الإحياء. وهذا معنى موعظة الجبل في السيّدين: من خدَم المالَ صار له عبدًا. «لا يستقيمُ حبُّ الدنيا والآخرةِ في مؤمن، كما لا يستقيمُ الماءُ والنارُ في إناءٍ واحد.» في الإحياء. وفي متّى ٦: ٢٤: لا يقدِرُ أحدٌ أن يخدُمَ سيّدين، فإمّا أن يُبغِضَ الواحدَ ويُحِبَّ الآخر، وإمّا أن يُلازِمَ الواحدَ ويحتقِرَ الآخر. الحُكمُ في الموضعين واحد، والصورةُ مختلفة: هناك سيّدان، وهنا ماءٌ ونار. ولو كان القولُ منقولًا عن الإنجيل لجاءت معه صورتُه. «مثَلُ طالبِ الدنيا مثَلُ شاربِ ماءِ البحر، كلّما شرِب ازداد عطشًا حتّى يقتُلَه.» في الإحياء. «يا معشرَ الحواريّين، ارضَوا بدنيءِ الدنيا مع سلامةِ الدين، كما رضِيَ أهلُ الدنيا بدنيءِ الدينِ مع سلامةِ الدنيا.» في الإحياء.
في اللسان والصمت
«العبادةُ عشرةُ أجزاء: تسعةٌ منها في الصمت، وجزءٌ في الفرارِ من الناس.» في الإحياء. «لا تنطِقوا أبدًا. قالوا: لا نستطيعُ ذلك. قال: فلا تنطِقوا إلّا بخير.» في الإحياء. وفي الصحيحين عن النبيّ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقُلْ خيرًا أو ليصمُت. والوصيّةُ واحدة: إن عجَزتَ عن الصمتِ فلا يخرُجْ منك إلّا خير. وفي رسالة يعقوب، وهي في هذا الكتاب: ليكن كلُّ إنسانٍ سريعًا في الاستماع، بطيئًا في الكلام. ثلاثةُ مواضعَ في ثلاثةِ كتب، والحُكمُ فيها واحد. «أكرهُ أن أُعوِّدَ لساني الشرَّ.» في الإحياء، قالها حين مرَّ بجيفة. «من كثُر كذبُه ذهب جمالُه، ومن لاحى الرجالَ سقطت مروءتُه، ومن كثُر همُّه سقِم جسمُه، ومن ساء خُلُقُه عذَّب نفسَه.» في الإحياء.
في العلم والعمل
«من علِم وعمِل وعلَّم، فذاك يُدعى عظيمًا في ملكوت السماوات.» في الإحياء، وعند أبي نُعيم في حلية الأولياء. وبعضُ نسخ الإحياء ترفعه إلى النبيّ لا إلى المسيح، والعراقيُّ لم يُخرِّجه. وهذا الموضعُ نقيضُ الذي قبله. ففي متّى ٥: ١٩، وهي في موعظة الجبل من هذا الكتاب: ومن عمِل بها وعلَّمها فهو عظيمٌ في الملكوت. اللفظُ هو اللفظ، حتّى «ملكوت السماوات». فهذا نقلٌ عن الإنجيل لا شكَّ فيه، دخل كتبَ المسلمين ونُسِب إلى المسيح، وهو منه حقًّا. فالمُدوَّنةُ فيها الوجهان: ما جاء من الإنجيل بلفظه فبقي على حاله، وما وافقه في الحُكم وخالفه في الصورة فليس بينهما طريقُ نقل. والتمييزُ بين الوجهين هو العمل، وقد بدأتُه ولم أُتِمَّه.
في الإحسان والمال
«إنّ الإحسانَ ليس أن تُحسِنَ إلى من أحسن إليك، إنّما تلك مكافأةٌ بالمعروف، ولكنّ الإحسانَ أن تُحسِنَ إلى من أساء إليك.» في كتاب الزهد لأحمد بن حنبل، وهو الأثرُ السابعَ عشرَ بعد الثلاثمئة. وهذا أقدمُ ما في هذا الباب سندًا. وفي موعظة الجبل من هذا الكتاب: أحبّوا أعداءَكم وادعُوا لمن ظلَمكم، ثمّ: فإن أحبَبتُم من يُحبُّكم فأيُّ فضلٍ لكم؟ فالحدُّ واحدٌ في الموضعين: أن تُردَّ الحسنةُ بالحسنةِ مكافأةٌ لا فضل، وإنّما الفضلُ فيما لا يُنتظَر عليه ردّ. «استكثِروا من شيءٍ لا تأكلُه النار.» قيل: وما هو؟ قال: «المعروف.» في الإحياء. وفي موعظة الجبل: لا تكنِزوا لكم كنوزًا في الأرض حيث يُفسِدُ السوسُ والصدأ وينقُبُ السارقون، بل اكنِزوا لكم كنوزًا في الآخرة. الحُكمُ واحدٌ والصورةُ مختلفة: هناك سوسٌ وصدأ، وهنا نار. وهذا من الوجه الذي لا يُنقَل فيه لفظٌ عن لفظ. «في المالِ ثلاثُ آفات: أن يأخذَه من غيرِ حِلِّه.» قيل: فإن أخذه من حِلِّه؟ قال: «يضعُه في غيرِ حقِّه.» قيل: فإن وضعه في حقِّه؟ قال: «يشغَلُه إصلاحُه عن الله.» في الإحياء. والدرجةُ الثالثةُ هي موضعُ النظر: مالٌ حلالٌ في يدٍ أمينةٍ يُنفَق في وجهه، ويبقى مع ذلك حجابًا لأنّه يستغرِقُ صاحبَه. «يا علماءَ السوء، تصومون وتُصلّون وتتصدّقون، ولا تفعلون ما تُؤمَرون.» في الإحياء. وفي متّى ٢٣: ٣: فهم يقولون ولا يفعلون. وأُثبِتُ ملاحظةً على هذا الباب بعينه. أدبُ الزهدِ يُكثِر من تركِ المالِ ويُقِلُّ من إعطائه، فأكثرُ ما نُسِب إلى المسيح فيه إعراضٌ عن الدنيا لا أمرٌ بالصدقة. والإنجيلُ والقرآنُ أصرحُ منه في الأمر بالعطاء: أطعِمِ الجائعَ واكسُ العُريان، وآتِ الزكاة. فما جمعه الزُّهّادُ صورةٌ من المسيح لا صورتُه كلُّها، وهذا ممّا ينبغي أن يُقال.